باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
taawuniya 1135*120

الطاهر ساتي يكتب: هذا ليس نظاماً ..!!

21

 

:: ومن أخبار الأمس، دعم رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، مشروع الجزيرة بخمسين مليار جنيه و(22) سيارة لجمعيات المزارعين و(20) سيارة أخرى لمجلس تنظيم مهن الإنتاج.. (مشروع الجزيرة يستاهل)، ما في ذلك شك، ولكن السؤال المؤسسي: من أي بندٍ تبرع البرهان..؟؟

:: إن كان من بند “الأمن والدفاع”، فهذا يعني أن مال الجيش تحول ليصبح وقوداً لطلمبات الجزيرة.. وإن كان من بند “السيادي”، فهذا يعني أن ميزانية “التشريفات والضيافة” قد تحولت إلى وزارة مالية موازية تدير اقتصاد البلاد من وراء ظهر المؤسسات..!!

:: هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة نهج البشير عندما عثروا في منزله على 25 مليون دولار.. ثم حوكم بتهمة “حيازة وتجارة العملة”، وبالتأكيد لم يكن يتاجر بها ولم يحولها لمنفعة شخصية، ولكنه كان -ببساطة -يدير بها بعض أجهزة الدولة خارج مؤسساتها الدستورية، تماماً كما يفعل البرهان اليوم..!!

:: وحتماً لم يتبرع البرهان من ميزانية وزارة الزراعة لسبب بسيط: أنها ليست تحت يده..ميزانية الزراعة والري مكانها الطبيعي عند الجهاز التنفيذي؛ أي عند رئيس الوزراء ووزير المالية ووزير الزراعة.. هؤلاء هم المسؤولون دستوراً وقانوناً عن تمويل المشاريع وتطويرها..!!

:: ومثل هذا الحدث – الذي يبدو مفرحاً – ليس نظاماً، بل يكشف أزمة الدولة السودانية المستعصية منذ عقود، وهي أزمة المؤسسية.. مهمة مجلس السيادة محددة في الدستور والأعراف، وهي السيادة، الأمن القومي، العلاقات الخارجية، وقيادة الجيش..!!

:: وليست من مهام المجلس إطلاقاً إدارة طلمبات الري أو شراء سيارات “البوكس” للمزارعين.. وعندما يقرر الرئيس السيادي أن يرتدي قبعة وزير المالية ووزير الزراعة ومدير مشروع الجزيرة معاً، فماذا ترصّع به الحكومة التنفيذية مكاتبها؟ وماذا يفعل الوزراء غير النوم وشرب القهوة..؟؟

:: وبهذا النهج في إدارة الدولة، يحق لكل مشاريع السودان المعطوبة أن تصطف أمام مكتب البرهان.. مشروع الرهد، مستشفى سنار، جامعات الخرطوم، و.. و… كلها ستأتي حاملةً “العرائض” تطلب تبرعاً وهبة، ويتحول مكتب البرهان إلى سوبر ماركت وزاري (مالية، زراعة، صحة، وتعليم)..!!

:: بينما تتحول الحكومة التنفيذية إلى مجرد ديكور بلا عمل أو صلاحية؛ فهذه ليست دولة مؤسسات، بل عقلية الهبة والنوال. دولة المؤسسات التي تليق بالسودان تقول: المزارع يذهب لجمعيتة، والجمعية ترفع لإدارة المشروع، والإدارة تخاطب وزير الزراعة المعني بالأمر..!!

:: ثم يرفع الوزير المقترح لمجلس الوزراء ليضعه في الموازنة العامة، وتذهب للبرلمان ليجيزها، ثم رقابة تفتش وراء القرش والتعريفة.. هكذا تُبنى الدول وتُدار الشعوب، أما عقلية “تبرع السيد الرئيس” فهي تنتمي تماماً لعصور ما قبل الدولة الحديثة وتطورها..!!

:: وعليه، قبل المال، فإن مشروع الجزيرة يحتاج إلى “مؤسسية”، أي إلى قانون يحميه، وإدارة منتخبة، وتمويل مستدام، وليس هبات عابرة.. وإذا أردنا أن يعود للمشروع سيرته الأولى كسلة لغذاء البلد، فيجب أولاً أن تعود الدولة لسيرتها الرشيدة، بحيث تعرف كل مؤسسة حدها الدستوري وتقف عنده..!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

error: