باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
taawuniya 1135*120

حسين خوجلي يكتب: ليلة السكاكين القصيرة

1
إذا اضطرك الزمان إلى الرحيل، وباعد بينك وبين وطنك وأهلك، فاحمل معك ذكرى الوطن والعقيدة، وجمال الحكايات والفنون، فإن حصاد كل هذا يحميك من آفة الاستلاب في بلاد الفِرنجة الذين يحصدون عرقك، وفوق ذلك يمتصون من عُرُوقِك كل أمجاد الانتماء والعراقة، وما ذكرناه آنفاً يصلح روشتة ضد التشويه والتغريب.
ومن صادق المرويات في هذا الباب أن المفكر الإسلامي المهندس الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، الذي تغرب في الخمسينات طالباً للدراسات العليا بباريس، دلف يوماً لتناول وجبة الغداء في مطعم فاخر في ضاحية الشانزيليزيه، كانت باحة المطعم تعجّ بعدد مقدر من عِلية القوم الفرنسيين والمتفرنسين، وعندما وضع النادل الوجبة أمامه، كفكف أكمام قميصه وافتتح قبل اللُقمة الأولى بالدعاء النبوي والبسملة بعربية مُبينة، ونحى الشوكة والسكين والمِلعقة جانباً، واستعمل يديه المسلمين كعادة المسلمين والشرقيين، تأففت سيدة فرنسية مُتعجرفة كانت في المنضدة المجاورة، وقد استفزها سلوك هذا الشرقي غير المتحضر في نظرها. نهضت في غضب واقتحمت عليه منضدته، وأمسكت بالشوكة والسكين والمِلعقة وخبطتها على المائدة، وقالت له بصوت زاجر: لماذا لا تستعمل الشوكة والسكين والملعقة عوضاً من يدك؟
فقال لها ببرود المطمئن، وبلغة فرنسية باذخة وأنيقة اختار مفرداتها بعناية حتى انتبه كل الذين كانوا في المطعم، ورد قائلاً: إن الشوكة والسكين والمِلعقة صُنعت يا عزيزتي لأصحاب الأيدي القذرة، أما أنا فمن أصحاب الأيدي النظيفة من الذين يغسلونها خمس مرات في اليوم للوضوء، ويغسلونها قبل الأكل وبعد الأكل، ويستاكون قبل كل صلاة.
كان درساً بليغاً انتبه له كل الحضور، وبعدها غادرت السيدة الفرنسية غاضبة وتركت وجبتها، وبدأ هو في تناول وجبته في طمأنينة وسكينة وهدوء.
حاشية:
وبالمناسبة، ذكرى الراحل المفكر مالك بن نبي، فهذه دعوة لكل الجادين في معرفة حضارتهم أن يبدؤوا من اليوم في اقتناء كتب الرجل التي لا غنى لمثقف مسلم ملتزم عنها، وهذه بعض العناوين التي بقيت في الذاكرة قبل أن يحرق الأوغاد مكتبتي الخاصة:
1_شروط النهضة.
2_الظاهرة القرآنية.
3_مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.
4_مشكلة الثقافة.
5_فكرة الإفريقية الآسيوية في مؤتمر باندونغ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

error: