باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
Baraka Ins 1135*120

لماذا وضع الصومال خطا فاصلا مع الإمارات؟

36

بأي معيار موضوعي، لم يكن القرار الذي اتخذته الحكومة الصومالية في 12 يناير/كانون الثاني بإلغاء جميع الاتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة قرارا مفاجئا أو متهورا.

فقد جاء بعد فترة طويلة من ضبط النفس، وانخراط دبلوماسي متكرر، وتقييم رصين لما تُلزم أي حكومة مسؤولة نفسها بالدفاع عنه في نهاية المطاف: سيادتها، ونظامها الدستوري، ووحدتها الوطنية.

ولسنوات، سعى الصومال إلى التعاون مع شركاء خارجيين بحسن نية، مسترشدا بتوقع مفاده أن يكون هذا الانخراط قائما على الاحترام المتبادل، والتعاون الإيجابي، والسعي إلى مستقبل مزدهر يحقق المنفعة للجميع.

غير أن صبر الحكومة الصومالية لم يكن لا محدودا ولا غير مشروط. فعندما يبدأ التعاون الدولي في تجاوز المؤسسات الدستورية، وتفتيت السلطة الوطنية، وتشويه التوازنات السياسية الداخلية، فإنه يكفّ عن كونه شراكة، ويتحول إلى تدخل غير مشروع.

في جوهرها، ليست السيادة شعارا فارغا؛ بل هي منظومة متكاملة. فهي تعني أن العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع الدول الأجنبية يجب أن تمر عبر المؤسسات الوطنية المعترف بها للدولة.

وعندما تنشأ ترتيبات موازية، أو تدار تعاملات مباشرة مع كيانات دون وطنية، أو يجري تعاون أمني خارج إشراف السلطة الفدرالية، أو تبرم اتفاقيات دون موافقة وطنية، فإن سلامة الدولة تتعرض للتآكل التدريجي.

وقد شهد الصومال هذا النمط تحديدا على مدى فترة طويلة في سياق تعامله مع دولة الإمارات العربية المتحدة. ولذلك، فإن قرارنا الوطني المتعلق بالاتفاقيات مع الإمارات لم يكن رفضا للانخراط الثنائي الإيجابي، ولا تخليا عن الدبلوماسية، بل كان تأكيدا للحدود بما يتسق مع القانون الدولي.

صور بعض منتقدي قرار الحكومة الصومالية بإلغاء جميع الاتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة هذا القرار على أنه “جذري”، مجادلين بأن على الصومال أن يتسامح مع هذه الممارسات حفاظا على الاستقرار قصير الأمد، أو بدافع الملاءمة الاقتصادية.

غير أن هذا الطرح يسيء فهم كل من التاريخ الحديث للصومال وأسس بناء الدولة المستدامة. فالدول الهشة لا تصبح مستقرة من خلال التسامح مع تفكك السلطة بدفع من مصالح خارجية، بل تتحقِق استقرارها عبر ترسيخ المؤسسات، وتوضيح سلاسل القيادة، وضمان أن يسهم الانخراط الخارجي في تعزيز الدولة لا أن يحل محلها.

ومن هذا المنظور، يجب فهم إلغاء الاتفاقيات التي أبرمتها الإمارات مع إدارات دون وطنية، وتعليق الترتيبات الأمنية الثنائية.

بموجب القانون الدولي، ووفق جميع القواعد الدبلوماسية الراسخة، يتعين على الدول ذات السيادة أن تنخرط في علاقاتها الخارجية عبر مؤسساتها الوطنية المعترف بها. وتتحمل هذه المؤسسات الوطنية وحدها مسؤولية التعامل مع المؤسسات والجهات الفاعلة على المستوى دون الوطني.

وبناء على ذلك، لا يمكن لأي دولة مستقلة، تحت أي ظرف، أن تقبل بهياكل أمنية تعمل خارج إطارها الدستوري، أو بترتيبات متعلقة بالموانئ تضعف السيطرة الوطنية على الأصول الإستراتيجية وتقوض الفدرالية المالية بين مستويات الحكم.

ما قام به الصومال هو رسم خط واضح ومشروع قانونيا. فقد أكد أن الانخراط الخارجي مرحب به، ولكن فقط ضمن شروط شفافة تقوم على علاقات دولة بدولة، وبما يتسق مع السلطة الدستورية والقانون الدولي. كما شدد على أن الحوار يظل ممكنا، لكن المبادئ ليست محل تفاوض.

نظرا للموقع الإستراتيجي للصومال، فإن المخاوف المتعلقة بحدوث اضطرابات اقتصادية نتيجة إلغاء الاتفاقيات مع دولة الإمارات تعد مفهومة. غير أن حكومتنا وضعت آليات تضمن استمرارية عمليات الموانئ والمهام الأمنية، بما في ذلك الاستعانة بمشغلين دوليين محايدين؛ لمواصلة تسهيل حركة التجارة العالمية عند الضرورة.

وعلى نحو جوهري، يدرك الصومال أن التنمية الاقتصادية المستدامة والنمو يعتمدان على توافر بيئة تمكينية سليمة، وتماسك سياسي، ووضوح قانوني، وهي العوامل التي يبحث عنها المستثمرون في مختلف أنحاء العالم. ولا يمكن توفير هذه المقومات إلا من خلال دولة قوية وموحدة، لا دولة مجزأة تنهشها من الداخل مصالح خارجية مدمِرة.

يعكس قرار الصومال إلغاء الاتفاقيات مع دولة الإمارات واقعا إقليميا أوسع. فالصومال يقع عند مفترق طرق إستراتيجي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي الأوسع.

وأي استخدام للأراضي الصومالية أو موانئها أو حيزها السياسي لخدمة صراعات أو أجندات خارجية ينطوي على مخاطر لا تهدد الصومال وحده، بل تطال أيضا التجارة الإقليمية والاستقرار العام في المنطقة. ومن ثم، فإن صومالا قويا وموحدا يعزز سيادته الوطنية يعد مكسبا إقليميا وعالميا.

لطالما جرى الحديث عن الصومال بوصفه موضوعا للسياسات الإقليمية، لا باعتباره فاعلا خاضعا لقواعد القانون الدولي. ويشير قرار مجلس الوزراء بشأن الاتفاقيات مع دولة الإمارات إلى تحول واضح بعيدا عن هذا التصور. فهو يؤكد أن الصومال سيتعامل مع العالم باعتباره دولة ذات سيادة متكافئة، لا كساحة مجزأة مفتوحة أمام النفوذ المتوازي وسوء الاستغلال.

وغالبا ما يكون التاريخ قاسيا مع الدول التي تؤجل اتخاذ القرارات الصعبة باسم الملاءمة أو الحسابات الآنية. وقد اختار الصومال الوضوح بدلا من ذلك. وهو خيار ينبغي فهمه لا بوصفه مواجهة، بل باعتباره فعلا متأخرا لكنه مستحق لاحترام الذات الدستورية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

error: