مجدي مكي المرضي: “العدالة الإنتقالية وبناء الدولة المدنية”

198

تدخل الثورة السودانية هذه الأيام شهرها التاسع وهي ما تزال تتخلق في رحم الأحداث وتتغذى من نبض الجماهير عبر حبل سري متين يمدها بإكسير البقاء وينفخ فيها لحن الحياة والجميع في إنتظار إكتمال الدورة الجنينية !

خلال تلك الفترة، مرت على المشهد السوداني حالة إستثنائية من “الإنسومنيا” السياسية التي يمكن أن تستمر طويلاً لتصبح حالة موتٍ سريري يتطلب إعمال الحكمة وتدخل الحكماء!

يتكالب فرقاء السياسة على القصعة وكلٌ يمني نفسه بأكبر قدر من “الشطيرة” وتناسوا أن “التخمة” تُقعد المرء وتصيب الجسد بالكسل والخمول!

هناك حقيقة لا ننتبه إليها كثيراً وهي أن الدولة السودانية لم تؤرقها أبداً جدلية العدالة وإرساء دعائمها إذ لا وقت لديها لذلك من جراء حالة اللاسلم الدائمة التي تعيشها منذ الإستقلال. يبلغ عمر الدولة السودانية الآن 63 عاماً قضت منها 52 عاماً تحت حكم أنظمة عسكرية متنوعة وما تبقى منها بضع سنين عجاف من ديمقراطيات عارية وغير مكتملة النمو!

تجبرك هذه الحقيقة الصادمة على مواجهة سؤال جوهري حول كينونة الدولة السودانية وعمرها الديمقراطي ونموها الإفتراضي ورؤيتها المستقبلية!

في ظل هذا الفقر السياسي المدقع الذي تعيشه الدولة السودانية، تبرز الحاجة إلى إبرام عقد إجتماعي جديد تصطف حوله كل مكونات المجتمع بتركيباته المتعددة وتعقيداته المركبة وذلك حتى يستقيم العود والظل معاً!

يحتاج هذا العقد الإجتماعي إلى صيغة جديدة ممثلة في مفهوم “العدالة الإنتقالية” والتي تأسس لمرحلة مختلفة من عمر الدولة السودانية والتي إنتقلت منذ تاريخ التاسع عشر من ديسمبر 2018م إلى مرحلة عمرية جديدة يجب أن يبدأ منها تأريخ تأسيس “دولة السودان الشابة” والتي وضع لبنتها شباب الثورة في مدن السودان المختلفة وأذكت جذوتها تلك الأرواح الطاهرة التي فاضت إلى بارئها إستشهاداً في سبيل وطنٍ يتخلق!

تضمن “العدالة الإنتقالية” المواءمة بين إطلاق يد القانون في معالجة إنتهاكات السلطة وقمع الدولة وبين السير على درب الوفاق والمصالحة الوطنية.

في ظل العدالة الإنتقالية، يعرف الجميع أنه لا مجال للإفلات من العقاب ولكن الباب مفتوح للتسامح والتصالح في سبيل بناء الدولة ونهضة الأمة!

عند تطبيق العدالة الإنتقالية، لا تتوقف عجلة التنمية ومسيرة الإنسان بل تسود روح العمل الجماعي وسط كل المكونات السياسية من أجل أن يتقدم الوطن!

صدق إبن خلدون حين قال إن الظلم مؤذن بخراب العمران ولكن العدالة تسد الطريق أمام هذا الخراب فيتجه الجميع إلى الإعمار والنهضة!

على الساسة في عهد الدولة الشابة الجديدة أن يعوا دروس الماضي وأن يتجهوا بأنظارهم نحو المستقبل فالأيام تمضي سريعاً والأوطان يصيبها الهرم عندما تتوقف فيها عجلة البناء!!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.