Braka+rittal 1135*120

عطاف محمد مختار: مَنْ أمِن العقوبة أساء الأدب!

1٬068

تقبَّل الله الشهداء الذين ارتفعت أرواحهم الطَّاهرة إلى ربِّهم راضية مرضية في عليِّين.. روت دماؤهم الذكيَّة الأرض مهراً لحراسة ثورتهم.. ثوارٌ مؤمنون بقضيتهم؛ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً.
ما كان على المجلس العسكري الدخول في خطوة فضِّ المتاريس، والوضع من الأساس مُلتهب؛ خصوصاً بعد هروب العباس شقيق المخلوع خارج البلاد؛ الشيء الذي تسبب في أزمة ثقة بين العسكري والشارع؛ بعد تأكيدات المجلس السابقة بأن العباس يقبع في المعتقل.
في وقتٍ كانت المفاوضات تمضي على قدمٍ وساق، بين المجلس وقادة ميدان الثورة لفض المتاريس؛ إلا أن المجلس تعنَّت ودفع بقُوَّاته النظامية لفضِّ المتاريس بالقُوَّة قبل الوصول إلى اتفاق. وبحسب المجلس، فإن مُندسِّين أطلقوا النَّار عليهم من أعلى جسر النيل الأزرق.
لكن لماذا أطلقت القوةُ الرّصاصَ بكثافةٍ لمُدَّة لا تقلُّ عن ربع الساعة، وكأنها في معركة حربية، لفضِّ الثُّوار من شارع النيل، وقامت بضربهم بصورة وحشية. وكنت شاهد عيان على ذلك أمام العمارة الكويتية وتحت جسر المك نمر.
ويخرج علينا رئيس الأركان، بذات لغة المخلوع، في التهديد والوعيد، بأنهم لم يقبلوا الفوضى.. ولم ينقصه إلا أن يقول (شُذَّاذ الآفاق، وألحسوا كوعكم)!
السؤال المحوري: لماذا تغيب الشرطة حتى الآن عن الساحة، وهي الوحيدة المنوط بها التعامل مع الجمهور؟ فهي التي لها تقديراتها وخبرتها وتدريبها في كيفية قراءة الأوضاع؛ وفي حالة احتمال انفجار الأوضاع واحتمال سقوط ضحايا؛ فستنسحب قُوَّاتُها؛ حقناً للدماء، فهم لا يتسلُّحون في تلك الأوضاع إلا فقط بـ(الدَّرقة والعصا ويرتدون خوذة حماية الرأس).. فهذا مجالهم وميدانهم الذي درسوه في كُليَّة الشُّرطة؛ مُدرَّبون على تحمُّل أقصى درجات الاستفزاز.. وليس في الكلية الحربية التي تدرس كيفية التعامل مع العدو.
على رئيس المجلس البرهان، الشروع فوراً في تكليف الشرطة والنيابة فقط – وليس أي جهة أُخرى – بالتَّحقيق الفوري، اللتين بلا شكٍّ ستعرفان من أطلق الرَّصاص، ومن أمر بإطلاقه.
المجلس العسكري شكا من تحرُّكات الدولة العميقة، وأنها تسعى لضرب الاتِّفاق ما بينهم والحرية والتغيير؛ عبر كتائب الظل والمندسين.. أقول: ماذا فعل المجلس العسكري حيال القوات الموازية التي أنشأها النظام السابق من (الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، والأمن الشعبي؟)، لماذا لم يُحَل الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية؟ ولماذا يريد دمجهما في الجيش والشرطة، وهي قوات كانت باطشةً بالشَّعب قبل الثورة وأثناءها، ودمجُهما في القوات النظامية سيُحدِثُ بلبلةً بلا شك في المستقبل؟
لماذا يوجد قادةُ الأمن الشعبي السابقون وكذلك قادة النظام السابق، أمثال مدير الأمن السابق الفريق أول صلاح قوش خارج المعتقلات؟ لماذا يقبع في الإقامة الجبرية في منزله، وهو الذي فتك وبطش بالثوار في الشارع والمعتقلات؟ ومازال يُدير المؤامرات من منزله بحي المجاهدين؟ هو ضالعٌ في الدِّماء التي سُفِكَتْ مثله ومثل المخلوع، ويريد أن يُسوِّق نفسه بأنه قائد التغيير؛ ويعتلى ظهر الثورة، وهو الذي قال بلسانه “إن الثوار نفسهم قصير ولا يستطيعون الصمود شهرين، ولا يستطيعون إخراج تظاهرتين في وقت واحد”. أليس هو الذي رفض رفع الحصانة عن منسوبيه الذين قتلوا الشهيد الأستاذ أحمد الخير بكل ساديَّة؟ أليس هو الذي حبس الآلاف في معتقلاته؟
مازال قادة النظام السابق ينعمون بالحرية، ويتبجَّحون في وسائل التواصل الاجتماعي، ويحقنون سموم الفتنة وسط الناس.
وبالأمس، ببجاحة، يُحسدان عليها – فمَنْ أمِن العقوبة أساء الأدب! – أصدرت كُلٌّ من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني بيانَيْن؛ كل واحد منهما يحمل التهديد والوعيد.
الحركة الإسلامية التي دبَّرت انقلاب الإنقاذ المشؤوم، وكان قادتها يسومون الناس سوء العذاب طوال 30 عاماً، انظر ماذا قالت في بيانها المسموم أمس: (نحن في الحركة الإسلامية، آثرنا سلامة الوطن والمواطن على الدخول في أية مواجهات مع القوات المسلحة والأجهزة النظامية الأُخرى، مع مقدرتنا على إيصال صوتنا بقوة…). هذا تهديد واضح بأن كتائب ظلِّها لن تَسكت وتكتفي بالفُرجة بل ستُصعِّد الأمور.. يجب أن تُحظر هذه الحركة تماماً من ممارسة أنشطتها الإرهابية، التي بسببها دخل السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب. فهي التي خطَّطت عبر السفاح علي عثمان لعملية اغتيال حسني مبارك، وهي التي فتحت البلاد لأسامة بن لادن وكارلوس؛ وبقية الحركات الإرهابية ودعمتها بالسلاح ومال الشعب السوداني.
أما حزب (مؤتمر المخلوع الوطني) فجاء في بيانه: (ظللنا في المؤتمر الوطني منذ الانقلاب العسكري على الشرعية الدستورية في 11 أبريل الماضي، نُراقب الأوضاع السياسية عن كثب، مُؤثرين سلامة الوطن والمُواطن، رغم ما حاق بنا من اتهامات جائرة بحقِّ قياداتنا ستُثبت الأيام خبالها وضعف حجيتها… كما طالعنا بعض التصريحات غير المسؤولة التي تُحاول النيل من المؤتمر الوطني وتحميله مُجريات ما حدث بمُسمَّيات مُتعدِّدة مثل بقايا النظام أو كتائب الظل أو غيرها، لتصرف الأنظار عن الجهة الحقيقية المسؤولة عن تصاعد الأحداث). انظر كيف يعتبرُ حزبُ (مؤتمر المخلوع الوطني) – بلا خجل، وبكل قلة حياء – الثورةَ المجيدة انقلاباً عسكرياً على الشرعية الدستورية، ويقول إن تصريحات المجلس العسكري وقُوى الحرية والتغيير غير مسؤولة.
لا تثريب على الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، مادام قادتهما بعد كل ما فعلوه بالوطن والشعب – ومازالوا – من دمار وفتنة وحروب وقتل وحريق؛ ينعمون بالحرية؛ وأيدي بعضهم ملطخة بالدماء وسرقة مال الشعب وقوته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.