Braka+rittal 1135*120

د. مزمل أبوالقاسم: في الرد على عبد الحي يوسف

854

.
* استنكر الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف، الدعوات الرامية إلى فصل الدين عن الدولة، وطالب الدعاة ومنابر المساجد برفع الأصوات في وجه الأصوات الكارهة لما أنزل الله، وقال في خطبة الجمعة: “يا رئيس المجلس العسكري ونائبه، ويا من وليتم أمر هذه البلاد، إياكم إياكم ودين الله.. دين الله خط أحمر والشريعة غاية الغايات لا نقبل مساساً بها ولا تعدياً عليها”، وتابع “إننا على الأمن حريصون، لا نريد أن نعطل مصالح الناس، أو تسود الفوضى، ولكن اسمعوها جيداً، إن كانوا يحشدون فنحن على الحشد أقدر، وسنحشد كما يحشدون، ونهتف كما يهتفون، ولكننا نهتف باسم الله، ونخرج في سبيله مدافعين عن دين الله.. سنخرج ونملأ الساحات والطرق من أجل أن نُكذِّب أناساً يدعون بأنهم لهذا الشعب ممثلون، وأنهم عن رغباته معبرون”.. وقال “إن وجوهاً كالحة تريد أن تفرض رؤيتها العمياء المعوجة ويتوقون لزمان كان الخمر فيه متاحاً”.
* الشيخ الدكتور عبد الحي لم يكن وحده الذي نحا ذات المنحى، فقد تبعه في اليوم نفسه عددٌ من الأئمة، في هجومهم على “دعاة العلمانية”، لكنه زاد على رفاقه بالتلويح بجمع حشدٍ (مماثلٍ)، قارناً حديثه عنه بالإشارة إلى (الفوضى)، ونحن نسأله: ما الداعي إلى ربط الحديث عن الحشد بالعلمانية؟
* هناك حشد واحد يتجمَّع منذ خمسة عشر يوماً في باحة القيادة العامة، قدَّرته إحدى شركات الاتصالات بأكثر من أربعة ملايين فرد، هل هو المعني بحديث الشيخ عبد الحي عن دعاة العلمانية، أم أنه يقصد حشداً آخر لم نره، ولم نُحط به علماً؟
* إن كان يقصد اعتصام القيادة، وذاك أرجح وأقوم، فنذكِّره إن كان ناسياً، وننبهه إن كان غافلاً، بأن أولئك المعتصمين ظلوا حريصين على أداء صلاة الجمعة في جماعةٍ تعدادها الملايين، يصلونها في الحر اللافح، ويسجدون لله شكراً وخضوعاً في حمَّارة القيظ، ويضعون جباههم الطاهرة النقية في أسفلت الشوارع، مذعنين للخالق الواحد الأحد، فكيف يوصمون بأنهم يريدون المساس بالشريعة، وكارهون لدين الله؟
* يصلون في الفضاء المكشوف، بلا سقفٍ يقيهم لهيب الشمس، ولا بساطٍ فاخرٍ يريح الأقدام، ولا تكييف باردٍ كالمتوافر في مسجد شيخنا عبد الحي.. ونسأله، أين موقع الدين من سفك الدماء، وقهر النساء، وحبس الأبرياء، وانتهاك حُرمات المنازل، وترويع الآمنين، وضرب الفتيات بالسياط في الشوارع غروراً وإذلالاً وطغياناً، وملء المعتقلات بالأطفال والحرائر والشيوخ، لمجرد أنهم خرجوا إلى الشوارع يستنكرون ظلمهم، ويطلبون حقوقهم؟
* لماذا حرص عبد الحي على أن يأتي نصحه للبرهان ورفاقه في المجلس العسكري في المنابر جهرةً، بعد أن اختار مع بعض رفاقه أن ينصحوا من سبقه على الحكم سراً، داخل داره، بعد أن تناولوا معه ما لذَّ وطاب من الطعام؟
* أليس البرهان رئيساً وولي أمر مثل البشير، فلماذا اختلفت معه اللهجة، ولِمَ لمْ يتم التلويح معه بالحشد لتجييش المشاعر بالحديث عن حماية شرع الله، وحفظ الدين والشرع من الانتقاص؟
* ثم، أين كان كل ذاك الحرص على الدين والشرع من ما كان يحدث في العهد البائد، من ظلمٍ وعسفٍ وأكلٍ لأموال الناس بالباطل، واعتمادٍ على القروض الربوية في تمويل مشروعات الدولة، وتعدٍ وجرأة على أموال المسلمين وحقوق المواطنين، لفئةٍ باغيةٍ، أفسدت في الأرض حتى أفقرت العباد، وجوَّعتهم فاضطرتهم للخروج إلى الشوارع غضباً، برغم فتاوى بعض شيوخ السلطان، التي تحرِّم على المظلوم الخروج على الحاكم (ولو أخذ حقه وجلد ظهره)؟
* أين كان ذلك الخطاب التحريضي الشديد، عندما ساد قانون المرأة المخزومية في بلادنا المنكوبة بفساد الحكام، وجرأة اللصوص اللئام على المال العام؟
* ثم، نسأل شيخنا الجليل عبد الحي، هل رأيت أي ملمحٍ يدل على تحكيم شرع الله في العهد البائد؟
* هل تمت محاسبة السارقين والمفسدين ومن تعدوا على حقوق المساكين بما أنزل الله؟
* ألم ترَ مع رفاقك الغاضبين، كبار المفسدين يسطون على حقوق حجاج بيت الله والمعتمرين، ويتعدُّون على دولارات الدواء، ويكنزون الذهب والفضة بالباطل، وينهبون أموال البنوك، ويستولون على أغلى الأراضي، قبل أن يخرجوا من المحابس مثلما تخرج الشعرة من العجين، ببدعة التحلل الكريهة، التي تعفي الشريف من المحاسبة، وتحاكم الضعيف الفقير الجائع، الذي يأخذ كسرة خبزٍ أو بيضةً ثمنها خمسة جنيهات، بالسجن والغرامة؟
* ألم تسمعوا بهم، فلماذا لم تعتلوا المنابر لتخاطبوا ولي أمرنا (باسمه ووصفه) جهرةً، طالبين منه الكف عن تمييز كبار اللصوص، وإخضاعهم إلى المحاكمة، بسطاً للعدل، وحفظاً للحق؟
* هل سمعت يوماً بقطع يد سارقٍ في عهدٍ امتد حكمه ثلاثين عاماً؟
* ألم يُكافأ من خرجوا على الحاكم شاهرين سلاحهم بالمناصب والأموال والقصور والرياش، فأين موضع ذلك الفعل من شرع الله، وأين كانت حميتكم على الدين وقتها يا شيخنا المفضال؟
* لِمَ لمْ تعتلِ المنبر لتستنكر قتل المعلم الشهيد أحمد الخير في خشم القربة، بعد تعذيبه وإدخال آلةٍ حادةٍ في جزءٍ حساس من جسده الطاهر، ولماذا لم تثُر في منبرك على ذلك الفعل الفاجر المُنكر.. هل كانت له أدنى علاقة بدين الله وشرعه الكريم؟
* لماذا لم تلبِ دعوة المصلين حين طلبوا منك أن تقودهم من داخل مسجدك لرفض الظلم والعسف والقهر والطغيان؟
* ثم، أي الفئتين أحق يا شيخنا بالحديث عن توقير دين الله، وحفظ شرعه، واجتناب كبائر الذنوب.. من فشى في عهدها الفساد والجور حتى ملأ البر والبحر، وشكا منه البشر والشجر والحجر، أم شبابٌ طامح، فجَّر أعظم ثورةٍ ضد الظلم والخراب والفساد، وقدَّم أرتالاً من الشهداء كي يقيم أركان دولة العدل الغائبة؟
* لو غبَّرت قدميك بزيارةٍ واحدةٍ لموقع الاعتصام يا شيخنا الهُمام، لرأيت بعينيك أعظم صور التكافل والتراحم والتآخي والتآزر والمحبة، ولشهدت الغني ينفق على الفقير، والمستطيع الشبعان يقيم أود الجائع المُعدم.
* ولرأيتهم يضعون أواني مفتوحةً على الأرض، تمتلئ بالمال، وهم يهتفون للسابلة (لو عندك خُت.. ما عندك شيل).. هل رأيت مثل تلك الصور الباهية من التراحم والتكافل في دولة الظلم البائدة؟
* لو زرتهم لرأيتهم ينظفون شوارعهم، ويدعمون بعضهم، ولشاهدت آلاف الفقراء المعدمين يجدون في ساحة الاعتصام ما يقيهم من مد أياديهم للناس تكففاً، أعطوهم أو منعوهم، ولشاهدت المُشرَّدين واليتامى وأبناء السبيل يأكلون ويشربون دون أن يطلب منهم أحدٌ سداد فواتير ما طعِموا.
* شيَّد هؤلاء الشباب الميامين دولةً مصغَّرة لسودانٍ العدالة والتراحم القادم، وقدموا نموذجاً يحتذى لمدينة فاضلةٍ، تقوم أركانها على المحبة والكرم والمساواة والعدل والتراحم والتكافل، وهم وأيم الله لدين الله وشرعه أقرب من الذين يدَّعون الحِمية على دين الله وشرعه.
* انزل إليهم من برجك العالي، وتعالَ إليهم لترى فعلهم، وتقف على أفعالهم، ولتشهد صلواتهم، ونرجو منك أن تكُف عن تجييش البسطاء ضدهم، بزعم أن حشدهم قوامه علمانيون، يريدون فصل الدين عن الدولة.
* تعالَ لترى بأمِّ عينيك كيف يتنزل مبدأ (الدين المعاملة) في أبهى الصور داخل ساحة الاعتصام، ولتسعد بحُسن الخلق، وطيب النفوس، ولين الجانب، ورقَّة القلوب على المساكين والمحرومين، ولا غَرْوَ، فمن نعنيهم أتوا من صلب شعبٍ كريم، تدّينه فِطرة لا ادعاء، وطيب أصله سجِّية، لا تكلُّفاً، وإن كنت في ريبٍ من ذلك فاسأل زميلك الدكتور مهران، الذي أمَّهم في صلواتهم، وخاطب جمعهم، وخَبِر فعالهم، لتعلم منه كيف تعوَّد هؤلاء الشباب على الكف عن الهتاف (حرية سلام وعدالة)، بمجرد سماعهم صوت الآذان من مسجد القوات المسلحة، وكيف يتدافعون لأداء الصلوات جماعةً كلما دعا الداعي أن (حيَّ على الصلاة).
* هل تنزَّل الإسلام أصلاً إلا لينشر الهداية بين الناس، وينصب بينهم معاني الحرية والسلام ويقيم فيهم العدل والقسطاس؟
* من دبجوا الخطب، وذرفوا الدموع، وسيروا المسيرات احتجاجاً على قتل الفلسطينيين والروهنجا، ثم رفضوا مغادرة مساجدهم للاحتجاج على القتل والسحل والظلم وترويع الآمنين في بلادهم، برغم مطالبة المصلين لهم بقيادتهم، لن يجدوا آذاناً صاغيةً من الناس، ما لم يُعدِّلوا نهجهم، ويضبطوا أفعالهم، لتتفق مع أقوالهم، كي لا يصمهم الناس بعلماء السلطان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.