باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
taawuniya 1135*120

ضياء الدين بلال يكتب: (الديمقراطية سمحة)..!

56
-١-
حظيت الانتخابات النصفية الأمريكية بمتابعة واسعة واهتمام لافت من قطاعات كبيرة في المجتمع السوداني.
ولا غرابة في ذلك، فالسودانيون شعب له توق قديم ومتجدد للديمقراطية، دفع في سبيلها أثمانا باهظة، وقدم من التضحيات ما يكفي لصناعة تاريخ طويل من النضال ضد الحكم العسكري.
ثلاث مرات أطاحوا بأنظمة عسكرية عبر انتفاضات وثورات شعبية، وثلاث مرات عجزوا عن المحافظة على الديمقراطية التي انتزعوها بالدم والدموع والعرق!
لماذا؟!
الإجابة الجاهزة والمحفوظة أن العسكريين لا يطيقون الديمقراطية، ويتربصون بها حتى تحين لحظة الانقضاض عليها.
حسنا، ولكن ثمة سؤال آخر، أكثر إحراجا وأشد إيلاما:
من هم هؤلاء الانقلابيون؟ ومن يقف خلفهم، ويمهد لهم الطريق، ويوفر لهم الغطاء السياسي؟!
هنا تبدأ المفارقة، وتنكشف واحدة من أعجب مفارقات تاريخنا السياسي!
-٢-
في نوفمبر 1958، لم يكن الذي سلم السلطة إلى قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود ضابطا عسكريا، بل رئيس الوزراء عبد الله خليل، أحد أبرز قيادات حزب الأمة، الذي اختار تسليم الحكم للعسكر في ظل أزمة سياسية متفاقمة.
وفي مايو 1969، كان الشيوعيون والقوميون العرب من أبرز القوى السياسية التي صنعت و ساندت انقلاب جعفر نميري على الديمقراطية الثانية.
أما الديمقراطية الثالثة، فقد أطاح بها انقلاب يونيو 1989، الذي دبرته الجبهة الإسلامية القومية، وهي يومها ثالث أكبر قوة سياسية في البرلمان المنتخب!
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي أبريل 1990 حاول ضباط بعثيون الإطاحة بنظام الإنقاذ، وكادت محاولتهم أن تنجح، دعك من محاولات انقلابية أخرى ارتبطت بقوى واتجاهات سياسية مختلفة.
تأملوا هذه المفارقة العجيبة!
أحزاب تتغنى بالديمقراطية في العلن، وتتآمر عليها في الخفاء!
تطالب بالحريات حين تكون في المعارضة، وتضيق بها حين تصل إلى السلطة، فإذا عجزت عن بلوغ الحكم عبر صناديق الاقتراع، لم تتردد بعض قياداتها في البحث عنه عبر فوهات البنادق!
وهكذا لم تكن الأحزاب السودانية مجرد ضحايا للانقلابات العسكرية، بل كانت بعض مكوناتها، في محطات مفصلية، شريكا في صناعتها أو مساندا لها.
-٣-
وهنا تحضرني أطروحة المفكر السوداني الراحل عبد العزيز حسين الصاوي، الذي وضع إصبعه على الجرح العميق في تجربتنا السياسية، وهو يربط بين الديمقراطية والاستنارة.
فلا ديمقراطية بلا ديمقراطيين، ولا ديمقراطيين بلا استنارة!
ليست الديمقراطية مجرد صناديق اقتراع وأحزاب وبرلمانات، وإنما هي، قبل ذلك كله، ثقافة وسلوك وقناعة راسخة بحق الآخرين في الاختلاف والمنافسة والوصول إلى السلطة.
فكيف لحزب لا يمارس الديمقراطية داخل مؤسساته، ولا يحتمل الاختلاف بين قياداته وأعضائه، أن يكون حارسا أمينا لها على مستوى الدولة؟!
وكيف نطمئن إلى إيمان قوى سياسية بالديمقراطية، وهي لا تعترف بنتائجها إلا حين تأتي لصالحها، فإذا خسرت الانتخابات بحثت عن طريق مختصر إلى السلطة، ولو كان على ظهر دبابة؟!
ولعل الشاعر السوداني الرفيع عبد القادر الكتيابي كان يستشرف بعض هذه المفارقات، حين أطلق صرخته الشعرية قبيل انتخابات 1986، ساخرا من تجارة الشعارات السياسية، ومحذرا من تحول الناخب إلى مجرد بضاعة في سوق المنابر، في قصيدته التي يقول فيها:
علي الطلاق ..
مكاء صلاة اليمين عليك ..
‏‎وحج اليسار إليك نفاق ..
‏‎وأقطع حد ذراعي رهانا
‏‎ستصبح ثم تراهم سمانا ..
‏‎وثم يشد عليك الوثاق
‏‎لتعرف أن المنابر سوق ..
‎وأن البضاعة أنت!
-٤-
إن أحد أهم أسباب تعثر التجارب الديمقراطية في السودان يكمن في تلك المسافة الشاسعة بين الشعارات التي ترفعها النخب السياسية، والممارسات التي تنتهجها عند أول اختبار حقيقي.
فشل الحكم المدني يفتح الأبواب للتدخل العسكري، والحكم العسكري بدوره يضعف الأحزاب والمؤسسات المدنية، ويعمق أزماتها، لتدور البلاد في حلقة جهنمية من الديمقراطيات القصيرة والانقلابات الطويلة!
والأغرب أن بعض الذين يرفعون اليوم رايات الديمقراطية، ويقدمون أنفسهم أوصياء عليها، لا يجدون حرجا في تبرير الانقلابات التي توافق أهواءهم، وإدانة تلك التي تتعارض مع مصالحهم!
كأن الديمقراطية عند هؤلاء ليست مبدأ ثابتا، وإنما موقف متغير تحدده هوية الحاكم، لا طبيعة الحكم!
-٥-
لهذا، فإن معركة الديمقراطية في السودان لا تبدأ وتنتهي بإخراج العسكريين من السلطة، وإنما تقتضي كذلك إخراج النزعة الانقلابية من عقول المدنيين.
فالديمقراطية لا يحميها مجرد وجود أحزاب تحمل أسماء ديمقراطية، ولا خطب حماسية عن الحرية والتعددية، وإنما يحميها ديمقراطيون حقيقيون، يؤمنون بحق خصومهم في الحكم بالقدر نفسه الذي يؤمنون فيه بحقهم في الوصول إليه.
ديمقراطيون يقبلون الهزيمة في الانتخابات كما يحتفلون بالنصر فيها، ويرفضون الانقلاب على خصومهم كما يرفضون الانقلاب عليهم.
فالمشكلة ليست فقط في أن الديمقراطية السودانية ظلت تتعرض للانقلابات، وإنما في أن بعض الذين كان يفترض أن يحموها، كانوا أول من يتآمر عليها..!
وهنا تتجلى المفارقة الأكثر مرارة:
لقد نجح السودانيون أكثر من مرة في إسقاط الدكتاتوريات، لكنهم لم ينجحوا بالقدر نفسه في إسقاط الدكتاتورية الكامنة في ثقافة نخبهم السياسية!
وما أشبه حالنا بما قاله الشاعر العراقي مظفر النواب:
قتلتنا الردة …قتلتنا الردة إن الواحد منا يحمل في الداخل ضده…!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

error: