1135*120   Last

د ناهد قرناص: زمن الكورونا …

صباحكم خير

336

(سماااك …سمك ..سمك بلطي ..سمك فرش ) ..كان الرجل ينادي بأعلى صوته وهو على ظهر حمار مغلوب على امره ..يمشي بتثاقل واضح ..تأملته باستغراب ..من أين أتى ؟ يبدو غريباً في هذا الحي وهذا الزمن ..الا يزال هناك من يشتري السمك من الباعة المتجولين ؟؟ بدا لي منظره كأن فجوة تاريخية لفظته عبر آلة الزمن من الماضي البعيد ..تذكرت بائع السمك في حينا القديم في عطبرة ..كان رجلاً طويل القامة بصورة ملحوظة ..يبدو من فوق الحمار كأنه واقف وليس جالساً.. يمكنك أن تراه من وراء حائط البيت القصير ..لم يكن طوله الفارع فقط ما يميزه ..كان صوته هو المختلف ..كان صوتاً رخيماً عميقاً ضل طريقه الى الاذاعات واختار التجوال في دروب المدينة الصغيرة ..لم يكن يبذل جهداً في جعله مسموعاً ..كان ينادي بهدوء الواثق من رزق ربه ..(سماااك ..حمام النيل ) ..وكنت اضحك في سري من عبارة (حمام النيل) تلك ..اذ كان عقلي الصغير يتساءل كيف للحمام ان يطير ويسبح في ذات الوقت؟؟ ..يبدو انه كان على الانتظار حتى أكبر لأعرف ان هناك سمكا يدعى (الحمام )..
(سماااك ..سمك بلطي ..سمك عجل ..سمك فرش ) ..تابعته باشفاق ..لا احد يفتح بابه ليشتري منه ..بدا لي كمثل الذي لبث ميتاً مائة عام ثم بعثه الله ..فوجد كل شئ مختلفاً ..لكن حماره ظل كما هو (لم يتسنه) ..يا صديقي ..لا أحد يشتري السمك من الشارع هذه الأيام ..وفي هذه الاحياء بالذات ..أظلنا زمن الكورونا التي الزمت الجميع بيوتها ..عكف أغلب سكان العاصمة داخل بيوتهم بعد أن افرغوا المتاجر الكبرى من بضاعتها وتركوا الأرفف تصفر الريح بين جنباتها بعد ان فرغت جيبهم.. بالأمس سألت عن سعر المعقم اليدوي الذي كان بسعر 50 جنيها ..فوجدته قد صار ب(300) جنيه ..هذا ان وجد ..اما الكمامات فقد اختفت بعد ان بلغ سعر الواحدة مائة من الجنيهات ..الطريف ان الكمامة لا ينصح باستخدامها الا ان كنت مصاباً ..او مرافقاً لمصاب ..وبما ان عدد الاصابات المعتمدة رسمياً حتى الآن هي 1 فقط ..يبقى ما هو سبب اختفاءها ؟؟ الا جشع التجار الذي وجد فرصة سانحة ولم يراع فينا إلا ولا ذمة.
(سماااك بلطي ..سمك عجل ..) ..اشفقت عليه حقيقة . ..التفت الي ..تلاقت نظراتنا برهة ..كانت أعينه مليئة بالرجاء ..وكأنه يطلب مني شراء سمك منه ..اني آسفة يا اخي ..أنا لا أسكن هنا ..اخرجني الذي اتى بك يا رفيق الصباح ..كلانا يبحث عن رزقه ..لا استطيع شراء السمك صباحاً وادخاله المعمل ..خاصة مع حالة الطوارئ المعلنة في البلاد ..صديقي بائع السمك لو ارتدى كمامة وثيابا نظيفة وبذل مجهوداً صغيراً في تنظيف وترتيب السمك ..وتضافرت جهوده مع صاحب ثلاجة ..لاستطاع ان يبتكر عهداً جديداً من العرض في زمن الكورونا ..ديلفري السمك الى المنازل ..بعد ان صار خيار المكوث في البيوت هو الأفضل …الصين تفوقت على الجميع وكان التوصيل الى المنازل مهمة (الروبوت) ..يمكن لكل الذين يعملون في مجال البيع والشراء التفكير خارج الصندوق ..ربما يأتي زمن لا يفتح الرجل بابه الا لادخال شئ ..او التخلص من آخر …هممت ان أحادثه بفكرتي هذه ..لكنه كان قد ابتعد وتابعته بناظري حتى صار نقطة في الافق ..غير ان صدى صوته لا زال يتردد في الهواء (سماااك ..بلطي ..عجل ..سمااااك).

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.