باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
taawuniya 1135*120

بابكر فيصل يكتب: مواجهات مدينة “ليستر” وتراجع العلمانية الهندية

623

*عاشت مدينة “ليستر” في وسط بريطانيا، الأسبوع الماضي، حالة من التوتر والمواجهات بين شباب هندوس ومسلمين، مما استدعى السلطات لإعلان استنفار أمني شامل  بعد أن كادت الأوضاع تخرج عن السيطرة وتتحول لحرب شوارع بين الطرفين.

*ونجم عن أعمال العنف هذه إصابة 25 من رجال الشرطة، إضافة إلى اعتقال 47 شخصا، وما زال الوجود الأمني كثيفا في المدينة . ويقول العديد من شهود المواجهات إن الأحداث بين الطرفين اندلعت على خلفية مباراة كريكيت بين الهند وباكستان جرت قبل عدة أشهر.

*وتشير المعلومات إلى أن الأسباب الحقيقية وراء المواجهات في مدينة ليستر تتمثل في تأثير الوضع السياسي الذي تعيشه الهند، فضلاً عن قدوم أشخاص من خارج المدينة محسوبين على الطرفين لتأجيج التوتر.

*يشكل الهندوس الأغلبية الساحقة من سكان الهند البالغ عددهم 1,4 مليار نسمة، وبعد نيل البلاد استقلالها عن بريطانيا، عام 1947، اختار قادتها، وعلى رأسهم المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، أن يكون وطنهم “علمانيا”، حيث رأوا أن العلمانية هي السبيل الوحيد لخلق الاستقرار والتعايش بين مختلف الأديان والقوميات وحتى يتمتع أي مواطن فيه بالمساواة بصرف النظر عن ديانته.

*ونتيجة تمسكه بهذه التوجه العلماني كوسيلة ناجعة لإدارة التنوع الديني والقومي في بلده، تم اغتيال غاندي بعد أقل من عام على استقلال الهند وانفصال باكستان على يد متطرف هندوسي رأى في سياسته تسامحا مع المسلمين أكثر من اللازم.

*وللتأكيد على علمانية الدولة فقد نص الدستور الهندي في مقدمة تعديله للعام 1976 على أن “الهند دولة علمانية ديمقراطية”، وهو الأمر الذي يعني منع تدخل الدولة في الشؤون الدينية، ذلك أن مجرد دخول الدولة في أمور الدين سيؤدي إلى عدم حيادها وتحولها إلى أداة للتمييز بين الهويات الدينية المختلفة.

*وقد أثبتت الأيام صحة خيار قادة الهند في تبني النظام العلماني الذي وفر درجة عالية من الاستقرار السياسي لبلادهم كما حد من المواجهات بين الأقليات المسلمة والسيخية والمسيحية وغيرها مع الأكثرية الهندوسية، حيث كفل للجميع الحقوق المتساوية والحريات الكاملة.

*غير أن هذه الأوضاع بدأت في التغير بعد صعود نجم حزب الشعب “بهارتيا جاناتا” (تأسس عام 1980) صاحب الشعارات القومية التي تنادي “بهندوسية الهند”.

*وقد أحدث وصول حزب الشعب للحكم وتعيين رئيس الوزراء، نارندرا مودي، عام 2014، هزة عنيفة لأركان النظام العلماني الذي سعى لترسيخه آباء الاستقلال، حيث شهدت البلاد تراجعا كبيرا في حقوق الأقليات، وعلى رأسها الأقلية المسلمة (أكبر أقلية في الهند ويبلغ عددها حوالي 200 مليون نسمة)، وهو الأمر الذي انعكس في عدد من الأحداث.

*أبرز تلك الأحداث تمثل في سماح المحكمة العليا في عام 2020 ببناء معبد للإله الهندوسي “رام” في مكان مسجد بابري، الذي تم تدميره، عام 1992، في المواجهات العنيفة بين المسلمين والهندوس والتي أدت إلى مقتل نحو 3 آلاف شخص معظمهم من المسلمين.

*وكذلك شكل قانون المواطنة لعام 2019 ضربة قوية للعلمانية والتسامح في الهند، وهو القانون الذي يسمح لملايين المهاجرين من أفغانستان وباكستان وبنغلاديش الذين يعتنقون مختلف الأديان، عدا المسلمين، بالحصول على الجنسية الهندية.

*وخلال الأشهر الماضية، نشبت أزمة دبلوماسية حادة بين الهند وعدد من الدول الإسلامية، نتيجة تصريحات حول الرسول الكريم محمد، أطلقتها المتحدثة السابقة باسم حزب “بهاراتيا جاناتا”، نوبور شارما، والناطق الإعلامي السابق باسم الحزب، كومار جيندال.

*وإذ يستمر تآكل الأسس العلمانية (المواطنة) واستبدالها بالهوية الدينية والقومية، فإنه ينذر بانزلاق الهند في دوامة النزاعات الأهلية، ذلك أن اللاهوت في أصله يستند إلى أنظمة نفي متبادل، كما يقول الدكتور محمد أركون، فكل دين يرى في نفسه الحق وفي بقية الأديان غير ذلك وهذا أمر سيستمر إلى قيام الساعة وفي هذه الأثناء وحتى قيام الساعة سيوظف كل دين عقيدته في سبيل السيطرة والسيادة.

*والأمر المهم في قضية التوظيف الديني للعقائد هو انعكاساتها السياسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر سلبا على الاستقرار. ومن المؤكد أنه ليس مطلوبا أن تتوحد كل الأديان، فهذا أمر مستحيل، ويسير عكس المشيئة الإلهية. المطلوب هو الإعلاء من قيم التسامح والتحاور والتعايش الموجودة في كل دين، وأن يأتي ذلك في إطار أساس المواطنة الذي بنيت عليه الدولة الحديثة.

*ولا تملك الهند مخرجا من نفق صراع الهويات الدموي الذي يهدد بزعزعة استقرارها سوى التمسك بنظامها العلماني الذي استطاعت عبره صناعة أكبر ديمقراطية في العالم، كما تمكنت من استيعاب التعدد والتنوع الديني والقومي واللغوي والذي خلق بدوره استقرارا وتعايشا اجتماعيا بين مكوناتها المختلفة.

*ومن هنا، فإنه يتضح بجلاء أن المواجهات التي شهدتها مدينة ليستر البريطانية، قد انطلقت من الهند على بعد آلاف الأميال، فهي ليست سوى أحد مظاهر العلاقة المتوترة بين الهندوس والمسلمين وهو الأمر الذي يؤشر إلى إمكانية تمدد النزاعات الدينية حتى تصبح صراعات أممية تؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدولي.

نقلاً عن الحرة

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.