باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
1135*120   Last

بابكر فيصل يكتب: القرضاوي يحتفي بقاتل النقراشي (1)

663

*في توصيفهم لمختلف جماعات تيار الإسلام السياسي، يقع البعض في الخطأ الشائع بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين ضمن ما يطلقون عليها مسمى الحركات “المعتدلة” قائلين أن ذلك التيار العريض يشمل أيضاً جماعات أصولية متشددة مثل جماعة أنصار السنة المحمدية وأخرى جهادية عنيفة مثل تنظيم القاعدة.

*ويدَّعي هؤلاء أن ممارسة العنف والقتل لدى الإخوان لا تعكس منحى أصيلاَ في فكر الجماعة بل هى أفعال طارئة فرضتها ظروف السجن والتعذيب والتنكيل التي جابه بها النظام الناصري الجماعة وقياداتها، مما دفع الأخيرة ممثلة في الأستاذ سيد قطب لاستحداث فكر العنف والتكفير، وهو الفكر الذي تبرأت منه الجماعة في مرحلة لاحقة كما يزعمون.

*هذا الإدعاء تكذبه الأفكار والمبادئ التي تدعو لاستخدام العنف من أجل تحقيق أهداف الجماعة في الوصول للسلطة، وهى المباديء التي وضعها المرشد المؤسس حسن البنا، وعززها من بعد الأستاذ سيد قطب، كما قام أعضاء الجناح العسكري للجماعة (النظام الخاص) بتنفيذها حتى قبل وقوع المواجهات مع عبد الناصر.

*وتأتي من بين تلك الأعمال العنيفة، حادثة اغتيال رئيس الوزراء المصري الأسبق، محمود فهمي النقراشي، في 28 ديسمبر 1948 على يد عضو النظام الخاص،عبد المجيد أحمد حسن، في أعقاب إصدار الأول قراراً يقضي بحل الجماعة.

*في مذكراته التي نشرها تحت عنوان : “ابن القرية والكُتَّاب .. ملامح سيرة ومسيرة”، تحدث الدكتور يوسف القرضاوي عن تلك الحادثة قائلاً : (وكان الذي قام بهذا العمل طالبا بكلية الطب البيطري بجامعة “فؤاد الأول” بالقاهرة، اسمه “عبد المجيد حسن” أحد طلاب الإخوان، ومن أعضاء النظام الخاص، الذي قُبض عليه في الحال، وأودع السجن، وقد ارتكب فعلته، وهو يرتدي زي ضابط شرطة، لهذا لم يُشَك فيه حين دخل وزارة الداخلية، وانتظر رئيس الحكومة، حتى أطلق عليه رصاص مسدسه).

*ويوضح القرضاوي موقفه الشخصي وموقف شباب الإخوان المسلمين وطلابهم من عملية الاغتيال بالقول :
(ولقد قابلنا – نحن الشباب والطلاب – اغتيال النقراشي بارتياح واستبشار ، فقد شفى غليلنا ورد اعتبارنا ومما أذكره أني نظمت بيتين في هذه المناسبة – يعبران عن ثورة الشباب في هذا السن – خطابا لعبد المجيد حسن قاتل النقراشي ، كان الطلاب يرددونهما ، وهما :
عبد المجيد تحية وسلام  **  أبشر فإنك للشباب إمام
سممت كلبا جاء كلب بعده  **  ولكل كلب عندنا سمام

*ولكن ” الكلب” أو “العير” – كما عبر بعضهم – الذي جاء بعد المقتول، استمر أشد من سابقه وأقسى وأفظع، ولم يُخِفْه ما حدث لسلفه، بل بالغ في القسوة والتنكيل والتشديد. وهذا ما جربه كثيرون في مثل هذه الأحوال: أن يُغتال رئيس أو حاكم، فيخلفه من هو شر منه وأسوأ بمراحل ومراحل، حتى ينشد الناس:
رُبَّ يوم بكيت منه، فلما * صرت في غيره بكيت عليه ! ).

*من الجلي أن الفرحة الغامرة التي أصابت شباب الإخوان لم يك دافعها حماسة الشباب وعنفوانهم الذي يجعلهم يندفعون بالعاطفة نحو الانتقام من الشخص الذي قام بحل جماعتهم كما توحي بذلك كلمات القرضاوي، بل كان دافعها الأساسي هو الأفكار والمبادئ والمفاهيم التي نشأوا وتربوا عليها والتي يقع في قلبها موضوع استخدام العنف والقوة في مواجهة المختلفين.

*وكذلك فإن القاتل عبد المجيد حسن لم ينفذ عملية الاغتيال من تلقاء نفسه، بل تلقى أوامر مباشرة من الرجل الأول في النظام الخاص (جهاز تم إنشاؤه بمعرفة وعلم المرشد المؤسس) ،عبد الرحمن السندي، ولم يك أمامه أية خيار آخر ذلك أنه قد أدى “البيعة” التي تلزمه بإتباع الأوامر دون مناقشة.

*ويقول نص البيعة الإخوانية : ( أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصا في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثرة عليَّ، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله على ما أقول وكيل، (فمن نكث فإنما ينكُث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما).

*ووفقاً لنص البيعة أعلاه فإن عضو الجماعة يتنازل طوعا عن حقه في التفكير وإبداء الرأي في مختلف القضايا ويمنح هذا الحق حصرياً للمرشد أو القيادة “وعلى ألا أنازع الأمر أهله”، ويفسِّر هذا الجانب من جوانب البيعة قيام الأعضاء بتنفيذ مهام قد لا يدركون عنها شيئاً بسبب تنازلهم عن حقهم في المعرفة، وهذه المهام يمكن أن تكون على قدر عال من الخطورة بما في ذلك القتل.

*وبحسب المؤرخ المصري الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه “الإخوان المسلمون والتنظيم السري” فإن عبد المجيد حسن قال في التحقيق معه أن أشد وسائل التأثير وقعاً عليه كانت : الدراسات الروحية والبيعة والاعتقاد بمشروعية الأعمال.

*وتتمثل أهمية هذا العنصر من عناصر التأثير، كما يقول الدكتور عبد العظيم، ليس فقط فى دفع عبد المجيد إلى اغتيال النقراشي دون إحجام أو تردد وكما رُسِم له وإنما تتمثل فى أن زوال هذا العنصر عنه فيما بعد قد دفعه إلى الاعتراف بكل ما صدر عنه، فحين أطلعه النائب العام على البيان الذي أصدره حسن البنا وفيه ُيظهِر أسفه على حادث الاغتيال وفيه معنى إستنكار الجريمة، كان لهذا البيان أثر كبير فى حمُلهِ على الاعتراف، فمع تمسكه فى البداية بالإنكار إلا أن مفعول البيان دفعه إلى التفكير ثم الاعتراف.

*قد أسهم بيان حسن البنا في استعادة عبد المجيد حسن لوعيه الذي تم إستلابه تحت تأثير البيعة، وأدرك الأخير أن القيادة التي منحها عقله وتنازل لها طوعا عن حقه في المعرفة والتفكير قد غرَّرت به ودفعته للقتل ثم تنصلت عن مسؤليتها عن كل ذلك !

نقلاً عن الحرة

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.