“سراب” .. إيمان كمال الدين

278

“يا لهذا الوجع، فاتحةُ الطريق ومنتهاه، دليلهُ وناسه، أيامهُ ولياليه”

حجي جابر

لا أثر للشمس إلا عند المغيب، لقد مضت أربع أشهر منذُ آخر شروقٍ رأيتهُ، غابت نفسي مع ضياء الشمس لذا لم يعد بوسعى أن أرى إلا ما أسلط عليه الضوء بمصباحي.
ليت ما بيني وبينهُ صفحةٌ مدونة بإحدى كتب التاريخ، أمزقها فلا يغدو لما كان بيننا حاضرٌ أو مستقبل، بل ماضٍ لا يكون بوسع أحد أن يُثبت وقوعه.
ليت للقلب باب أغلقهُ، لكن قلوبنا بلا أبواب، فما أقسى أن نصنع للقلبِ بابًا من آلامنا وذكرياتنا نحصن بها القلب من عابرين يتخذون أرواحنا معابر للحظات شوقٍ غابرة.
إننا نخسر في هذه الحياة، نخسر الثقة التي منحناها لأحدهم، والحب الذي وهبناهُ له، والروح التي وضعناها بين يديه، ونفقد بذلك سنوات من أعمارنا، بل نفقد حتى شخصيتنا ونغدو آخر غير  مبال يدرك أن لا أحد جديرٌ بالثقة، جديرٌ بالمحبة.
في فصل الخريف تتساقط أوراق الشجر، كذلك حياتنا بها فصول يتساقط البعض منها كأوراق الشجر تأخذهم رياح الحياة.
إذا أردت أن ترى الصورة الكبيرة فعليك أن تمعن النظر في التفاصيل الصغيرة، نظن عبثًا أن الخراب الذي نحيا عليه أننا بمنأى عنه، وأننا لسنا سوى ضحايا فيه، أننا لم نقترف ما يُحيل الحياة إلى جحيم.
لكنك فعلت، جميعنا شركاء في هذا الخراب، كنتُ لأكون على قيد الحياة الآن دون أن أهبك حبًا خالصًا وتهبني ألمًا خالصًا.
حين التقيتك لم يكن هناك وجودٌ لكل تلك الأسئلة والإفتراضات، أعلمُ أنني من أبٍ وأم، حيوان منوي وبويضة، لكن يوم لقاءك كان نواة خروجي للحياة، ما أجمل أن أبدا ونحن في مقتبل الحياة، بلا ماض، وحاضر، ومستقبل.
والآن؟ أنا أواجه إنشطار تلك النواة، وعوضًا عن المضي قدمًا فإنني أتعثرُ، أتأخرُ مجددًا، أواجه كل الأزمنة، وأدركُ أني أحبك وأفتقدك، وسأفتقدك إلى الأبد، فالقدرُ في الشفاء منك هو الرحيل، أعددتُ رزمانتي وكل التواريخ تاريخ فراقك.

ألا يكفينا موتٌ واحد في هذه الحياة..! فعلى بعد أمتارٍ قليلة من زخم الحياة كان الموت إحدى تقاطعات طرقه محيلًا كل سائرٍ عليها إلى طيفٍ بلا وجود إلا من رائحة عطرٍ للجسد في أقصى الذاكرة، ليت الموت حين يأتي لا يُبقي على ذكرى الراحلين فكما نطمر الأجساد تحت الأرض ونهيل عليها التراب، نهيلهُ على الأطياف وعلى كل ذكرى لراحلٍ باق، أو باقٍ لم يؤثر إلا الرحيل، ألا يا ليتنا كائنات تحترف النسيان حين يعبر من نحب على تقاطعات طرق الحياة.
يرحل البعض متخففيين من ثقل أنتظار الموت والحياة، من الأشباح التي تطاردنا في المنام، والذكريات التي تهدأ، من ساعات اليقظة التي تتخللها الأحلام، من نُطفةٍ تنمو في الأحشاء ما أن ترى النور ويصيبها الأدراك لا تعي أكانت في ظلمةٍ وخرجت إلى النور أم خرجت من رحم النور إلى ظلمات الحياة، من كائنٍ يحاول أن يطلق ساقيه ويتجاوز أبواب منزله إلى كائن يسير الهوينى يتبين له أنهُ لم يكن في الحياة ما يستدعي كل تلك العجلة.
ما الحياةُ إلا أنفاسٌ متلاحقة، وليس الموت سوى إنقطاع تلك الأنفاس التي كانت تجد ملاذها بالبيت، وكنت أنت مجرى أنفاسي فأتكأت عليك، فغدوت كمِنسأة سيدنا سليمان التي أكلتها دَابَّة الأرضِ فدلت على موتهِ.

“وغدًا أسافرُ من حياتك، مثلما قد جئتُ يومًا كالغريب”
فاروق جويدة

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.