حيدر المكاشفي: اعادة الترام أم عودة جودو

بشفافية

417

لم يكن إعلان ولاية الخرطوم الأربعاء الماضي عن تلقيها عرض لادخال الترام فى مجال المواصلات، لحل مشكلة المواصلات، لم يكن هو أول حديث عن اعادة الترام منذ أن باد عهده الذي كان فيه سيد وسائل المواصلات قبل أكثر من نصف قرن من الزمان ، فقد سبق الى ذلك عدد من ولاة الخرطوم السابقين، وكان أن أنشئت للترماي شركة قامت على أنقاض شركة مواصلات العاصمة الكائنة شرق ميدان سباق الخيل، وعيّن لها مدير، وأجريت الدراسات وتتابعت السفريات وأعدت الخرائط وامتلأ المكان حتى فاض بزكائب من الأوراق والخطط والرسومات، وكل ذلك انتهى إلى لا شيء، ثم ها هي سيرة الترام تتجدد مرة أخرى، ولكن قبل أن نمضي في تصفح السيرة الجديدة، يجدر بنا ان نحكي للأجيال التي لم تعاصر عهد الترام (وأنا منهم بالطبع) طرفاً من سيرة هذه الوسيلة التي افتتن بها جيل الآباء والاجداد الذين كانوا يكثرون من روايتها كلما انتابتهم حالة نوستالجيا وحنين الى الماضي والايام الخوالي، حتى حفظناها عن ظهر قلب بقفشاتها ومقالبها وأحزانها وأفراحها..
الترام أو الترماي أو الطرماج في رواية (بلدية) كان هو وسيلة المواصلات الرئيسة والمفضلة للغادين والرائحين ما بين أم درمان والخرطوم خلال حقبتي الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، ولم يكن للبصات أي وجود في ذلك العهد.. والترماي هو مركبة مكونة من عدد من العربات مفتوحة الجانبين، وبكل عربة كنبتا جلوس متقابلتان، وأضيفت لها لاحقاً عربات مقفلة لها بابان أحدهما للصعود والآخر للنزول، وللترام عجلات حديدية يسير بها على قضيبين كقضيبي السكة الحديد، ولكنه يختلف عن القطار في انه يسير بدفع الطاقة الكهربائية بواسطة سنجتين مثبتتين بكرتين ملتصقتين بسلكين كهربائيين، ومن كل سنجة يتدلى حبل متين مربوط على جسم الترام، وركاب الترام درجتان، درجة أولى كانت بقرشين ودرجة ثانية بقرش واحد من عملة زمان حين كان القرش هو العملة المتداولة في اغلب المعاملات، ولا يذكر الجنيه إلا على لسان وزير الخزانة، وربما شخصين ثلاثة من كبار رجال المال والأعمال، وكانت بالترام عربة خاصة بالنساء، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ولو كانت خالية، بل لا يسمح أحد لنفسه ان تحدثه بالاقتراب منها، سوى مرة وحيدة اضطر فيها ذلك الكمساري الحلبي قصير القامة لاقتحامها عندما داهمه اسهال حاد باءت معه كل محاولاته للجمه بالفشل، فلم يجد ملاذاً سوى عربة النساء الخالية فاقتحمها وأفرغ حمولته داخل الطربوش الذي كان يعتمره، ثم قذف بالطربوش وما حمل عبر النافذة، ولسوء حظه لاحظ فعلته هذه بعض صبية الموردة الشياطين فأطلقوا عليه لقب (أب شيطة)، فلازمه اللقب وصار اسما للمحطة.. والى جانب ترام الركاب كان هناك ترام آخر خاص بنقل البضائع.. اما خط سير الترام فكان يبدأ من المحطة الوسطى بام درمان وينتهي عند المحطة الوسطى بالخرطوم، ويسير بمحاذاة شارع الموردة في رحلته الى الخرطوم، ويمر بكثير من المحطات داخل بعض الاحياء منها البلدية والدايات والموردة والطيارات (المؤتمر الثانوية الآن)، والمقرن ولسبب ما، كان الترام يزيد من سرعته عند مروره ببعض النقاط، وأطلق المواطنون على هذه العملية اسم (الكشة)، ومن أبرز (الكشات) التي كان يمارسها الترام تلك التي كانت بين حي الهاشماب ومركز ام درمان، ومن المركز الى المحطة الوسطى، وكان سائقو وكماسرة الترام يرتدون زياً موحداً يتألف من جاكتة وبنطلون كاكي اللون والطربوش المصري على الرأس.. وعموماً كان للترماي عند اهل العاصمة زمان حكايات وذكريات وتاريخ ومفارقات، منها المفرح والمحزن، والطريف، لا تقل عن ذكريات وحكايات اهل الشمال والغرب مع القطار، ولكن تهمني من بين حكايات الترام الكثيرة واقعة واحدة مؤلمة حدثت للاستاذ الكبير والصحفي المخضرم ميرغني حسن علي، متعه الله بالصحة والعافية، وهي أنه فقد أحد ذراعيه بسبب الترام. تلك كانت نوستالجيا الترام وأيامه الخوالي، فهل يا ترى ستفلح الولاية هذه المرة فى اعادته أم يا ترى ستكون عودة جودو الذي لن يعود أبدا كما فى المسرحية الشهيرة وعطفا على تصريحات الولاة السابقين..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.