نازك شمام: التغيير المنشود

واحد صحيح

328

*مضى ما يقارب العشرة أشهر منذ أنّ بدأت الاحتجاجات الشعبية في ولايات السودان المختلفة والتي ندّدت وقتها بتردي الأحوال المعيشية في الثلاثين عامًا الماضية ثم إنتقلت بعدها للمطالية بإسقاط النظام الذي سقط في أبريل الماضي إيذانًا بعهدٍ جديد، هنا ارتفع سقف الطموحات والآمال لدى كل مواطنٍ سوداني بأنّ يشعر بتغييرٍ حقيقي ليس في الأوضاع الإقتصادية فقط بل يطال الأمر إلى النواحي الاجتماعية والثقافية وأنّ يعيش المواطن الحرية واقعًا لا شعارًا تردّده الألسن ولا أثر له على الأرضِ، ومفهوم الحرية الذي يتعدّد إلى أنّه في نهاية المطاف ينتهي بالمقولة أنّ ” حريتك تنتهي عند حدود حرية الآخرين”.

*ولكن خلال الشهور التي مضت كانت حصيلة التغيير محبطة وبعيدًا عن الطموحات فالكلّ مشغول بقضايا إنصرافية والكل يسعى لتصفية الحسابات الشخصية عبر إطلاق التُهم جذافًا دون دليلٍ دامغٍ وباتت الساحة وكأنّها أرضُ خصبة للشائعات والقيل والقال ، فكل خلافٍ شخصي يتحوّل إلى قضية رأي عام عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت معولًا هدامًا أكثر من أنّ تكون وسيلة للتقارب والتفاكر فتنشر التٌهم غير الصحيحة عبرها وتتعدى حدودها الآفاق وعندما تنجلي  الحقائق لا يكون الأمر ذو تأثير.

*هل هذا هو التغيير الذي ننشد سؤال بات ملحًا ويحتاج إلى إجابة حاسمة ، هل رمي الناس بالباطل وإغتيال الشخصيات عبر دوافع شخصية هي نتائج الثورة مع العلم بأنّ غبن الثلاثون عامًا الماضية لن يُمحى خلال شهرٍ أو عامٍ أو ثلاثة ولكنّ هل هذا هو الطريق الأمثل للتغيير أو الحرية وكأنّ الثورة لم تقم إلاّ لهذا الهدف وباتت الأهداف الثانية في قائمة أخرى غير قائمة الأولويات حتى معاش الناس بات تحت شدّ وجذب البرامج الإسعافية ومدى مقدرتها على إسعاف الاقتصاد من أزماته المتلاحقة.

*أكثر ما يثير الاستياء ويزيد من وتيرة الإحباط أنّ أيّ إنتقادٍ أو محاولة الدفاع عن أيّ شخصٍ طالته اتهامات بدون أدلةٍ تضعك في إطار الخائن للثورة ومبادئ التغيير ويتمّ تصنيفك بأنّك من”فلول” النظام السابق لكونّك تريد أنّ تجهر برأيك أو بقناعتك فهنا ينتقي معنى الحرية وينتهي معنى التغيير لكونّه شعار تردّده الألسن دون تطبيق.

*خلال الأسابيع الماضية إنطلقت سهام الاتهامات حول شركات وأشخاص وامتلأت وسائل الإعلام  بأخبارٍ غير صحيحة تتغذى من المناخ السياسي الموغل في الضبابية ، دون مشقة البحث عن دلائل دامغة قد تثبت أو تنفي التهم الموجّهة ودون مراعاة أنّ النصوص القانونية نصت على أنّ (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) ولكنّ لأنّ الجو مشبع بغيومِ الغبن والكراهية فكلّ تهمة قابلة للتصديق دون الحاجة إلى شواهد تدعمها، على سبيل المثال تناولت إحدى الصحف خبر يفيد بقيام شركة سين للغلال بإيقاف 250 سائقًا على خلفية انتمائهم لحزب المؤتمر الوطني ، لن نقف هنا على عدد السائقين المهُول ولا عن الشركة التي باتت تسجل لغطًا كبيرًا حول ملكيتها وعلاقتها بالنظام السابق ولكن نقف حول السبب الذي  تمّ بموجبه إيقاف هؤلاء السائقين وهو انتمائهم للمؤتمر الوطني وفي الوقت نفسه تروي الأخبار وتطلق الاتهامات المتعدّدة بأنّ ملكية الشركة تعود لذات الحزب الذي كان سببًا في فصل السائقين عن أعمالهم فأين المنطق في الخبر، نحتاج إلى التروي في كثير من الأخبار حتى لا تجرفنا الحرية المزعومة إلى ضفة أخرى لم نكن نقصدها ونحتاج أكثر للانشغال بأولوياتنا الاقتصادية التي كانت سببًا في تغيير منشود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.