عمر حلاق: تدويل الثورة .. ! هل هو ممكن؟

333

ما لا تعلمه دُول الإقليم والمجتمع الدولي ومُختلِف المَحَاور، أنّ أمر الثورة السودانية ليس كما يَتَلقونه من تقارير! فطبيعة التَكوين الذي فرضته ظُروف الثورة بذاتها، جعلت النَيَل منها أمر عسير، وغير مُمكن على الأقل حاليا.
في السابق، كان إجهاض أي فعلٍ ثَوري من السهولة بمكان. مجرّد وصفة يمكن كتابتها؛ لتُصرف متى ثار ثائر، مع زيادة بعض (الرتوش) هنا وهناك، وتصريحاتٍ لا تُعبّر عن الواقع، ثم تخرج الأيدي نظيفةً ويُقبِل بعضُ مَن ثاروا على بعضٍ يتلاومون.
في البَدء أودّ التركيز على تأسيس القِوىّ الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، وهى قوى سبق توقيعها على الميثاق، تكوين كيانات مختلفة ومتعددة، كمثال: قوى وأحزاب وكيانات وقّعت على نداء السودان، أحزاب قوى الإجماع الوطني، مكونات مهنيةٍ متعددة تمثّلت في تجمّع المهنيين، فضلاً عن تنظيمات متعددة وفاعلة في الشأن السوداني، وبالطبع لم تغب عن المشهد قوى معبرة عن المجتمع المدني.
كل تلك القوى وبما تحمله من اختلافٍ في الرّؤي داخل مكوّنها الحالي، تُمثّل طيفاً واسعاً من السودانيين، يساره ووسطه وأقصى يمينه، لذا تجدها تحمل مُقوّمات صَدّ أي إملاءات خارجية، باعتبار أن الملعب مكشوف تماماً للجميع، ولا يمكن تمرير وصاية من جهة بعينها لا تُعبّر عن الإعلان الأساسي.
من جانب آخر، شكّل عدم وجود شكل هرمي يمكن من خلاله تمييز اتجاهات قيادة هذه التنظيمات، ترسانة تمنع تمرير شروط أو ملاحظات غير مقبولة لأكبر قدر من القوى الموقعة. هذه النقطة تحديداً وبما تحمله من صعوبات إجرائية في العمل، وصعوبات في التواصل والتوافق إلا أنها مثّلت أكبر عائق أمام الاختراق، وساهم هذا العامل في استمرار تماسك هذا المُكوّن
أمر آخر مهم، فهذه القوى تعمل تحت قيادة، إذ مثّل تَقدّم الشارع على القوى الموقعة على الإعلان الأساسي مرجعية لها، ومنذ بداية الثورة وحتى الآن يتَفوّق الشارع كثيراً في فرض أولوياته، وشروطه على القوى.
على صعيد القِوى الإقليمية والدولية، فهي لم تكن مُوحّدة تجاه القضية السودانية، وهو أمر طبيعي باعتبار أن ما يربطها مع ثورتنا مصالح مُحدّدة لكل جهة، ومع تباين المصالح، اختلفت رؤى التعامل مع الثورة السودانية.
متى حاولنا تقديم قراءة عن كيف ينظر لنا الخارج؟ سنجد أنه لم يكُن غريباً توافق روسيا والصين في الإبقاء على النظام القديم أو امتداده، فالدولتان تعلمان جيدا أن مصالحهما مع السودان ليست قائمة على الندية والاحترام، بلّ هي مصالح تقوم على نهب موارده بطريقة رسمية مختومة، حيث وفّر لها النظام البائد كل ما يمكنهما من سرقة موارد السودان؛ من أجل مصلحة فئة قليلة محسوبة على النظام، يمكن وصفها بأنها عصابة داخلية تنفّذ مُخطّط عصابات خارجية.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن السودان يعنيها كثيراً في شيء، بلّ وصل بها الأمر أن عهدت صلتها به لوسيطٍ إقليمي، وبطبيعة النظام الرأسمالي لا تنظر أمريكا لبقعة في الكوكب إلا من خلال مصلحتها المباشرة، ورغم جماعات الضغط، ولوبيات الحقوق والمناداة بالعدالة والمساواة، إلا أن التنفيذيين في أمريكا لا يعيرون أي هتافٍ، أي قيمة أكثر من معادلته بالدولار.
ربما تجد أوروبا أفضل حالاً بخصوص النظر للأزمة السودانية، مع تبعيتها المباشرة للحلول التي تبعد عنها المشكلات المستقبلية.
لُبّ الأزمة الخاصة بالثورة وعلاقاتها بالخارج، تتمثّل في الصراع الموجود في الخليج، حيث الاستقطاب الحاد، وهو تجاذبٌ لا يتضمن مصلحة السودان من كلا الطرفين، بلّ ومن باب تحقيق نصر لحظي يحققه طرف على آخر، يمكن تغذية شرر تحت الرماد، إلى نيران تشعل السودان، لمجرد إثبات حجة فشل الآخر.
لكي تعبر ثورتنا دون إملاءات، نحتاج أن نتعامل بحرصٍ وحذر، خاصةً وأن النظام السابق أهدر كل ما يتبع تسمية الكرامة، وشارك فعلياً في أعمالٍ عسكريةٍ لمحور، فخلف تركة سترتد نتائجها على السودان بشكل كارثي، وبعيداً عن تهمة الارتزاق، يبقى أمر ترتيبات عودة المقاتلين للسودان، كالمشي على الألغام، فالمقاتل حين يصبح يوما عالة دون مقابل، تجدُ بندقيته مُشهَرة في وجه أول من يقابل. ومثلما السعي في التعامل بحذر تواجهه صعوبات، إلا أن تركه وتأجيل البتّ في موقفنا من صراع الخليج قد يساهم سلباً في مُضِي الثورة السودانية لمالاتها المرجوة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.