1135*120   Last

م. الصادق حاج علي: التحديات والإصلاحات الهيكلية المطلوبة لزيادة الإيرادات من الجمارك والضرائب

731

التحديات والإصلاحات الهيكلية المطلوبة لزيادة الإيرادات من الجمارك والضرائب
م. الصادق حاج علي
من المعلوم ان الايرادات الضريبية المباشرة والغير مباشرة تمثل ما نسبته 6% من الناتج القومي في السودان، بينما نجد ان المتوسط العالمي يبلغ 18% لدول جنوب الصحراء في افريقيا.
من المفارقات ان الإيرادات بالرغم من ضعف نسبتها للناتج القومي ولكنها تمثل اكثر من 60- 70% من الايرادات الحكومية، الامر الذي يعكس ضعف الايرادات الحكومية بصورة عامة.
يتسبب ضعف مساهمة الايرادات في عجز الموازنة العامة وما يتبعها من انعاكسات سلبية على اداء الموازنة.
تبلغ نسبة ضرائب ارباح الاعمال في السودان 15% وهي نسبة معقولة جدا، بينما تبلغ نسبة ضريبة القيمة المضافة 17% وهي عالية نسبيا، بينما تبلغ نفس الضريبة 40% علي قطاع الاتصالات بعد زيادتها موخرا من نسبة 35%.
تتفاوت الرسوم الجمركية علي الواردات فتبدا من النسب الصفرية في صورة اعفاءات لبعض القطاعات وتتصاعد لتبلغ حوالي 260% لبعض الواردات كسيارات الركاب وتزيد عن نسبة 100% على الاحهزة الكهربائية المنزلية على سبيل المثال وتتراوح بين 40 الى 100% لمجموعات الاغذية والمنظفات والاثاثات والمستهلكات ومواد البناء، الخ…
تكمن المشكله الرئيسية في ضعف التحصيل الضريبي وليس في سعر/ نسبة الضرائب لان النسب اعلاه كافية لتحقيق ايرادات مقدرة اذا تم تحصيلها بكفاءة من كل الممولين.
بالرغم من الارتباط الوثيق بين الضرائب المباشرة والغير مباشرة، ولكن سوف نتناول كلا على حدة لتشخيص نقاط الضعف والقصور والتحديات الموجودة والمقترحات لحل كل منها.
قبل الخوض في التفاصيل يجب الاقرار ببعض الحقائق الموجودة على ارض الواقع لان ما سياتي من تحليل يتاسس عليها بصورة او الاخرى.
يوجد بالسودان نشاطان في الاقتصاد يعملان في خطين متوازيين:
١/ النشاط الرسمي.
٢/ النشاط الغير رسمي/ تجارة الظل.
يوجد غياب كبير للمعلومات المتعلقة بالانشطة التي تعمل خارج المظلة الرسمية.
توجد العديد من السياسات والقوانين واللوائح التي تتسبب في التضييق على القطاع الرسمي وبالتالي تشجع تمدد القطاع الغير رسمي.
ضعف الحوكمة وهيبة الدولة متمثلا في ضعف وعدم كفاءة بعض الموسسات المنوط بها ضبط وتسيير النشاط الاقتصادي.
استشراء الفساد في بعض الموسسات ادى الى استغلال بعض الثغرات والضعف في بعض اللوائح والقوانين وجُير ذلك للمصالح الشخصية بدلا عن المصلحة العامة.
عدم وجود تنسيق بالصورة المطلوبة بين الكثير من الجهات/ الوزارت الحكومية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي مثل (المالية، البنك المركزي، وزارة التجارة، الجمارك، الاستثمار)، الامر الذي يتسبب احيانا في كثير من الربكة والتضارب حيث تعمل العديد منها فيما يشبه الجزر المعزولة بدون التنسيق الكافي بينها ليصب في سياسة واحدة محكمة تراعي المصالح المختلفة لدى اصحاب المصلحة.
غياب الاحصائيات والارقام بشكل عام.
الضرائب:
كما ذكرنا انفا ان نسبة الضريبة تعد من النسب المناسبة لان النسب العالية تشجع علي التهرب الضريبي اذا لم تكن منظومة الاعمال محكومة بقوانين وانظمة فعالة تحد من التهرب وتكشفه كما هو موجود مثلا في الدول الاوروبية وغيرها.
يمكن ان نعزي ضعف التحصيل بصورة مجملة وليست كاملة في النقاط التالية:
توسع النشاط الغير رسمي وتمدده بصورة كبيرة على حساب النشاط الرسمي الذي يخضع للضرائب مثال لذلك تجارة استيراد السيارات عن طريق ما يعرف بالاستيراد الشخصي سواء باستثناء الموديلات القديمة او بدونه لموديل العام، هذا النشاط يمثل اكثر من 90% من حجم استيراد السيارات في السودان، بمعنى ان الاستيراد عن طريق الشركات وأصحاب الاعمال التي تسدد ضرائب على ارباح اعمالها وتسدد فروقات القيمة المضافة عند البيع وتقوم بتشغيل عمالة وتسدد كل التزاماتها من تامينات اجتماعية على العاملين وتامين صحي لهم ورسوم المحليات، الخ..، يمثل حجم عملها اقل من عشرة في المائة بينما نجد اكثر من 90% من النشاط غير خاضع للضرائب ويعمل تماما خارج القنوات الرسمية، الوضع ربما يكون اشد قتامة اذا اخذنا على سبيل المثال استيراد اجهزة الهواتف النقالة، حيث يقدر ما يدخل السودان من اجهزة بما لا يقل عن اثنين مليون جهاز سنويا بينما ما يدخل بصورة رسمية عن طريق الشركات اقل من خمسة في المائة من هذا العدد، ينطبق الامر على الكثير من الواردات مثل الاجهزة الكهربائية المنزلية ومواد البناء والمواد الغذائية والامثلة كثيرة ولا يسع المجال لذكرها كلها ولكن سوف نتطرق لاحقا لمجموعة منها عند الحديث عن الجمارك، ولكن بصورة تقديرية يمكن القول ان هذا النشاط الغير خاضع للضرائب يمثل خمسين في المائة او يزيد من حجم النشاط الكلي .
اعتماد ديوان الضراىب على الممولين المسجلين في ايراداته الامر الذي يعني ممارسة ضغوط كبيرة وتقديرات تعسفية في معظم الاحيان حتى يتم الايفاء بالربط المقدر بدلا عن توسيع المظلة الضريبية افقيا لتشمل الانشطة الغير خاضعة للضرائب، هذا النهج في الضغط على شريحة محدودة يشجع البعض على التهرب بقدر الامكان من الضرائب بشتى السبل الممكنة.
عدم احساس الممولين بان الضرائب المتحصلة تنعكس على تحسين بيئة الاعمال مثل الطرق والموانئ والمطارات والطاقة، وهي المشاريع الواجب توفرها لانعاش النشاطات الاقتصادية، فضلا عن بقية الخدمات الضرورية الاخرى مثل الصحة والتعليم والمواصلات وبقية الخدمات !.
وجود عدد مقدر من الشركات المعفاة من الضرائب وبقية الرسوم .
تعدد الرسوم الاتحادية والولائية على الأنشطة الاقتصادية الامر الذي يشجع البعض على التهرب منها .
عدم وجود نموذج ضريبي موحد سهل التطبيق على الأنشطة التجارية الصغيرة والخدمية مثل البقالات الصغيرة والمتوسطة ومكاتب وسطاء بيع وإيجار العقارات، المطاعم، والكافيتريات، الحرفيين والمغالق، مقدمي الخدمات مثل صوالين الحلاقة وغيرها .
عدم تطبيق الضريبة بصورة صحيحة على بعض الانشطة ذات الدخل العالي مثل عيادات الاطباء والمستشفيات الخاصة والصيدليات، إلخ… وكذلك الضرائب على العقارات .
ربط بعض الحوافز للعاملين في الضرائب بالتحصيل الامر الذي يجعل العلاقة بين الديوان والممولين بها كثير من الشد والجذب .
ضعف تحصيل ضريبة القيمة المضافة عند البيع الاول والثاني رغما عن حقيقة مساهمة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 70% من الايرادات الكلية للضرائب بشقيها المباشر والغير مباشر .
العمل بالنظام التقليدي القديم وعدم الانتقال الى الحوسبة والتي اصبحت هي السائدة في معظم الدول وخصوصا في تحصيل ضريبة القيمة المضافة.
مما سبق يتضح ألا سبيل لتعظيم الايرادات الضريبية الا باجراء اصلاحات كبيرة وخصوصا على مستوى توسيع المظلة الضريبية افقيا لتشمل كل او معظم الانشطة التي تعمل ولا تقوم بسداد الضرائب على انشتطتها لانها ببساطة تعمل خارج المظلة الرسمية رغما عن تمددها البائن واتساع حجمها، ايضا هنالك الكثير المطلوب لعمل اصلاحات هيكلية في طريقة عمل ديوان الضرائب والانتقال السريع للحوسبة، اما التفكير في الزيادة الرأسية عن طريق زيادة نسب الضرائب وليس المجهود الضريبي فان عواقبها وخيمة، وبلا شك سوف تتسبب في تقليل حتى المبالغ المتحصلة حاليا وتساهم بشدة في تمدد النشاط الغير رسمي .
الجمارك:
من المهم جدا معرفة ان الدخل من الجمارك على الواردات يمثل نسبة مقدرة من جملة الضرائب الكلية، لذلك تمثل ايرادات الجمارك على الواردات بندا مهما جدا لا يمكن اغفاله، بل يجب العمل على تعظيمه عن طريق معالجة التشوهات الموجودة والتي سيرد ذكرها لاحقاً.
يسود نشاط الاستيراد في السودان الكثير من اوجه الفوضى متمثلة في عدة اوجه ولكنها بصورة او الاخرى، تشكل في معظمها نوعاً من انواع التهريب المقنن او الغير مقنن .
تشمل بعض طرق التحايل الكبرى في هذا النشاط التالي :
أ- الاستيراد عن طريق الطبالي وهي بحجم نصف حاوية 20 قدم (حوالي 12 متر مكعب) ويتم الادخال باسماء افراد وليس اسماء اعمال وبالتالي لا يخضع إلى ضرائب، وعادة ما تكون الرسوم الجمركية عليه أقل بكثير من الرسوم المستحقة فعليا على الواردات .
ب- الاستيراد عن طريق الحاويات المختلطة، حيث يمكن ان تحتوي الحاوية على عشرات بل احيانا مئات الاصناف من المنتجات الامر الذي يصعب عملية حصرها وفرزها، وعليه تتحصل الرسوم ربما قياساً على اقل صنف فيها من ناحية الرسوم الجمركية.
ت- التخليص في الموانئ الجافة وهنا نطرح السوال ما الذي يحمل بعض الموردين على تخليص بضائع في احد الموانئ الجافة على سبيل المثال عطبرة او الابيض، فيتم ترحيل الحاوية من بورسودان اليها ومرة أخرى للخرطوم بعد اكمال التخليص!؟ .
ث- الاستيراد عن طريق المعابر من جمهورية مصر العربية تحديدا وهو استيراد افراد ولكن بكميات تجارية ويشمل اجهزة كهربائية ومواد غذائية ومواد بناء واثاثات، الخ .
تبلغ قيمة الرسوم الجمركية على بعض المنتجات كالاجهزة الكهربائية المنزلية ربما اقل من ربع قيمة تخليصها عن طريق اجراءات التخليص العادية في بورسودان .
ج- الاستيراد عن طريق الطرود وهو يتم عن طريق مكاتب البريد لطرد يحوي 300 كيلو جرام من البضاىع المختلفة فقط عن طريق سداد رسوم رمزية للطرد ولا تخضع لرسوم جمركية، وبالطبع لا تخضع لضرائب ارباح اعمال.
كما ذكرنا تمدد حجم هذا النشاط وزاد حتى اصبح مساويا وربما يزيد عن حجم النشاط الرسمي .
اذا نظرنا للاسباب التي تدفع الكثيرين لاتباع الطرق المذكورة اعلاه وغيرها نجد ان هنالك مشكلات مستفحلة وقديمة في عمل الجمارك يمكن تلخيصها فيما يلي :
اولا: الخلل الواضح في تقييم بعض الواردات حيث تحتسب الجمارك احيانا اسعارا جزافية على بعض الواردات تزيد احيانا بنسب تتراوح من 100- 300% من الاسعار الحقيقية لبعض المنتجات، من افضل الامثلة لهذا التشوه في احتساب الرسوم الجمركية الاجهزة الكهربائية المنزلية، فمثلا اذا اخذنا اجهزة التكييف كمثال، فان السعر الذي على اساسه تحتسب الرسوم الجمركيى يزيد بنسبه 200% من سعرها الاصلي، ويصل إلى 300% زيادة من الاسعار الحقيقية في منتج الغسالات ونسب مشابهة في الشاشات وغيرها من المنتجات مثل اطارات السيارات وغيرها الكثير من الواردات المختلفة والتي تحتسب الرسوم الجمركية عليها على اسعار غير حقيقية، الامر الذي يمثل درجة عالية من التشوه في احتساب الرسوم الجمركية.
خطورة هذا الامر ليس فقط في تحصيل رسوم جمركية عالية، ولكن في عكسها لحجم استيراد/ عمل غير حقيقي للمورد واظهاره لديوان الضرائب كحجم استيراد خاضع لضريبة ارباح اعمال وقيمة مضافة عند البيع.
لتقريب الصورة، دعنا نفترض ان القيمة الحقيقية لواردات شركة ما هي مائة الف دولار خلال عام وتم تطبيق الاسعار الجزافية بزيادة 200% عليها، فبما ان الضرائب تستقي معلوماتها من الجمارك بالنسبة لحجم الاستيراد المورد فان حجم الاستيراد سوف يظهر عند ديوان الضرائب كحجم عمل يبلغ ثلاثمائة الف دولار بدلا عن مائة الف دولار قيمه الاستيراد الحقيقية!! وعليه تترتب ضرائب ارباح اعمال وقيمة مضافة جزافية على حجم عمل غير حقيقي وقدر خطأ منذ البداية، وعندها يسعى المورد للتهرب بقدر الامكان بشتى الطرق الممكنة او يتعرض للخسائر نتيجة للظلم الذي وقع عليه .!
ثانيا: المبالغة في نسب الرسوم الجمركية على بعض الواردات حيث تبلغ على السيارات على سبيل المثال حوالي 260% من سعر السيارة لذلك نجد التهرب عن طريق الاستيراد باسماء افراد، حيث تدفع الرسوم الجمركية كاملة ولكن لا تخضع لضرائب ارباح اعمال عند البيع لان الاستيراد يتم باسماء افراد وليس اسماء اعمال خاضعة للضريبة، اما الفاقد الضخم فيظهر في عدم سداد ضريبة القيمة المضافة لنفس السبب حيث تبلغ القيمة المضافة المدفوعة عند التخليص (كمبلغ) حوالي عشرة في المائة فقط مقارنة مع المبلغ المفترض دفعه كفروقات ضريبة قيمة مضافة عند البيع الاول، وهذا ما تقوم بسداده الشركات، ولكن كما ذكرنا ان استيراد الشركات يمثل اقل من عشرة في المائة من مجمل استيراد السيارات، عليه يكون التحصيل منصبا على عشرة في المائة بينما لم يخضع 90% من النشاط لضرائب مباشرة او غير مباشرة !
الجزئية بالغة الأهمية فيما ذكر اعلاه مرتبطة بضريبة القيمة المضافة عند البيع الاول والثاني، فطالما لا يوجد حصر للواردات التي تدخل بالطرق المذكورة انفا، فمن البديهي ان القيمة المضافة المفروض تحصيلها عند البيع تساوي صفرا لانها بالاساس ادخلت كبضائع شخصية وباسماء افراد وتحايل وأحيانا عن طريق السجلات التي تباع وتشتري ولا تجد الحكومة سبيلا لمتابعتها، وبالتالي لا تتمكن من تحصيل ضريبة القيمة المضافه عليها .
ما ذكر من مشاكل واسباب لضعف التحصيل معروفة جدا والحلول لها ايضا معروفة وواضحة ولكن بدون شك ان هنالك مصالح فردية وشخصية ومراكز قوى تحول دون اجراء الاصلاحات المطلوبة رغم وضوحها.
ما لم تتم معالجة التشوهات الموجودة، يظل التحصيل الضريبي ضعيفا جدا وربما يتناقص مستقبلا ليشكل اقل من نسبه الـ6% من الناتج القومي .
لابد من اجراء اصلاحات حقيقية في المنظومة وتعديل بعض القوانين واللوائح والتشريعات، والعمل على تطوير ورفع قدرات بعض العاملين بهذه الموسسات والتي هي بدون شك اقل بكثير من المطلوب من حيث الكفاءة والمواكبة لان العالم يتطور ويتجه بكلياته نحو العهد الرقمي واستخدام التكنولوجيا في التحصيل والحصول على المعلومات الدقيقة عن الممولين وعن اسعار السلع في الخارج وغيرها من المعلومات المطلوب ان تكون مواكبة بصورة مستمرة.
هنالك الكثير من النماذج المطبقة بصورة فعالة في دول العالم ولكن حتى في محيطنا الاقليمي حيث تتشابه الظروف الى حدٍ كبير، من اقرب الامثلة النظام المطبق في جمهورية مصر ودولو اثيوبيا وغيرهما، فيمكن الاستهداء بهذه التجارب وإجراء بعض التعديلات حتى تواكب طبيعة وخصوصية الاوضاع في السودان .
نتمنى ان تكون هنالك خطوات جدية وسريعة وإرادة حقيقية للتغيير والتجويد واشراك اصحاب المصلحة في كل قطاع حتى نخرج بافضل الحلول، كما نتمنى صادقين ان تتغير طريقة التعاطي مع بعض التحديات في الاقتصاد لتكون اسرع ايقاعا وأكثر براغماتية.
ليس هنالك منهج لادارة الشان الاقتصادي مكتمل ومضمون النتائج بصورة مطلقة ولكن يمكن تطبيق وتجريب ما يتم التواضع عليه بانه الانسب ومن ثم مراقبة النتائج وعمل التعديلات التصحيحية متى ما ظهرت عيوب أو قصور في بعض جوانبه .
الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.