باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية

مقداد خالد: ملاحظات من دفتر زيارة عابرة لبورتسودان

632

على غير عادتي في التوجه تلقاء ولاية البحر الأحمر الساحلية لأغراض الراحة والاستجمام وأحياناً الاحتفال؛ قصدتُ حاضرتها بورتسودان هذه المرة في أشد مواسمها حراً وبأكثر أيامها بؤساً.

الطقس الحار والجاف حملني لاحتقاب “شنطة” مليئة بالأقمصة، أما الأجواء الساخنة فأجبرتني على التحلي بكثير من الحكمة لنقل حقيقة الصراع القبلي بين مكونيِّ النوبة والبني عامر الذي أودى بحياة العشرات، فالصحافة لا تقتصر فقط على نقل الحقائق، وإنما تمتد لتجعل من العالم مكاناً أفضل.

وخلال جولتي التي استمرت لأيامٍ أربعة، خرجت بعدة ملاحظات من زيارتي لثغر البلاد، بعضها بالعين المجردة “بالنظر”، وأخرى من متونٍ وحواشٍ “من خشم أسيادها”، والبقية منزوعٍ من بين السطور والصدور على حدٍ سواء.

أولى ملاحظاتي، إنه بالرغم التغييرات الكثيرة التي أفرزتها الثورة السودانية المجيدة، إلا أن قبضة الإعلام المركزية ظلت على حالها، حيث اختارت جُل المواعين الإعلامية الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعية والاتصالات الهاتفية لمعرفة ما يدور في المدينة، حتى لتظنن أنها تقع خارج المجموعة الشمسية، وليست أولى البقاع التي تدخلها الشمس وهي تنسرب إلى بلادنا، بالتأكيد مع وجود استثناءات بسيطة تعد على أصابع اليد وحاول أصحابها نقل الحقيقة من أرض الواقع “قناة سودانية 24 وصحيفة الانتباهة” على حد علمي.

كذلك فإن عقلية التعاطي الحكومي مع وسائل الإعلام لم يستجد عليها جديد يُذكر، فنصب كاميرا في الشارع العام، وإجراء مقابلات في الهواء الطلق، يحتاج إلى كثير من الأذونات الأمنية، دعك من محاولة دخول مناطق الصراع التي ترقى ردة الفعل لمجرد الإفصاح عنها إلى الجُرم.

ثاني ملاحظاتي، في كون السلطات اختارت الحل الأمني لحسم الصراع الدموي القديم المتجدد بين مكونات في المدينة، بإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة من قوات الدعم السريع، وهو حل قد تثبت جدواه آنياً، ولكنه ليس بالحل المستدام، حيث أن أسباب الصراع تراجعت فقط بفعل الضغط ولن تلبث أن تطل ثانية ما لم يجرْ مخاطبة جذور الأزمة.

لكن قبل التوغل عميقاً في الحل، علينا الاتكاء إلى الحل الأمني لمرةٍ ثانية وأخيرة لجمع السلاح من أيدي المواطنين بأعجل ما تيسر، حيث لا معنى للسلام مع “الحرب الباردة” .

ثالث ملاحظاتي: إن نقل الصراع إلى أبعادٍ قبلية، عِوضاً عن تبويبه داخل مواد القانون الجنائي، سيفرز كثير من المشكلات المستقبلية، وسيفضي إلى تترُس كثير من المتجاوزين بالقبيلة، ما يهزم مبدأ الإفلات من العقاب الذي هو الأصل أحد الوازعات الرئيسة الحائلة دون وقوع المجتمع في مستنقع الجريمة.

رابع ملاحظاتي: إنه ينبغي الشروع دون إبطاء في عملية إصلاح القوات النظامية. فإن كان يصح خطل تقديرات ثلة من قيادات الطرفين برفض تدخل الجيش والشرطة بالولاية والانحياز لخيار استقدام قوة من خارج البحر الأحمر، لكنه يؤشر كذلك لوجود ظنون وشكوك في قومية العسكر، وهو مما لا يجب أن يرقى لمستوى الشك بيومٍ من الأيام.

وفي ذات النقطة، فإن عمليات إصلاح القوات النظامية تستدعي جرعات من الوعي الحقوقي والقانوني. فكثير من النظاميين لم يستوعب حالة الانتقال من دولة البطش إلى دولة القانون، وهو ما يجعله مصاب بفوبيا استخدام القوة في مقابل التفلت خشية هجمات وحملات الرأي العام.

خامس ملاحظاتي: بشأن الجدال حول حدود المسموح به في منصات التواصل الاجتماعي، فكما أن كثير من المنشورات تحض على التعايش السلمي، فإن تلك الحافزة على ديمومة الصراع ما تزال -للأسف- أشد تأثيراً ووقعاً، نتيجةً لتقاعس القانون عن أخذ دعاة العنف والكراهية.

وإزاء هذا الوضع ينادي كثيرون باللجوء لمبدأ شمشون، وإعادة قطع الانترنت عن المدينة، في مثال حي لمقولة إن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة، فالتعتيم الإعلامي سيظل صنواً للانتهاكات ومجالاً لبث الشائعات، وعليه تبقى الشفافية وقدرتنا على تحمل وطأة الحقيقة في وسائل إعلامنا، ملاذنا الدائم للحيلولة دون تكرار سيناريو دارفور الأليم.

سادس ملاحظاتي: إن العادات الاجتماعية في كل السودان تقريباً تُمجد الحرب والفرسان، وتكاد تصنف المنادين بالسلم الاجتماعي في حالة الأحتراب بالمتخاذلين إن لم يكن الخونة، وهو أمر يحتم مراجعة هذه الأدبيات التي تؤدي لتراجع الصوت العاقل مع كونه المطلب المٌلح دوماً.

سابع ملاحظاتي: إن المواثيق القبيلة المعروفة محلياً بـ “القَلدْ” اتفاقيات فوقية وشديدة الهشاشة، فهناك فجوة كبيرة بين القيادات الأهلية والشباب، بعضها نتاج موازنات خاطئة في تعاطي الكبار مع السلطة مقابل الروح المتمردة عند الشباب، وعليه لا بد من وجود جيل الثورة في كابينة القيادة الأهلية في حال أردنا حلولاً مستدامة، بخروقاتٍ عند حدها الأدنى.

ثامن ملاحظاتي: إن المستفيدين من الصراع كُثر، وعلى رأسهم فلول النظام السابق الساعين لإظهار السلطة الانتقالية بأضعف حالاتها أملاً في الوصول لحالة الكفران بالديمقراطية ومن ثم الحنين إلى عهد المخلوع البشير، ضف عليهم لوردات الحرب الذين يراكمون أرباحهم من عمليات بيع السلاح لطرفي النزاع، وحتى قادة بعض البيوتات الأهلية المستمسكين بالسلطة يدخلوا في حوايا هذا التصنيف بمنعهم وصول عناصر شابة تحمل في يدها مشاعل الوعي والتنوير لرأس الأمر وزمامه.

تاسع ملاحظاتي: إن تخطيط مدينة بورتسودان، وغيرها من حواضر البلاد، يساعد على اشتعال الحرائق بسرعة، فتقسيم الأحياء وفقاً للهوية، أمر ضد ثقافة التنوع، ويساعد على تحويل الشجارات اليومية والتباينات البشرية إلى مستويات بارحها العالم مع انتهاء عهود الجاهلية والإظلام.

عاشر ملاحظاتي: إن مستشفيات المدينة ومرافقها الصحية بحاجة إلى علاج سريع، فهي لا تقل سوء عن أوضاع بورتسودان المأزومة.

وأختم ملاحظاتي، ببعض صورٍ مشرقة، فقد أثبتت مبادرات التعايش السلمي جدواها عملياً في بعض الأحياء التي رفضت نقل الصراع إلى داخلها، ويحرص شباب النوبة والبني عامر على حراستها ليلاً من أصحاب الأجندات الساعين إلى توسعة رقعة الصراع.

أيضاً، قابلنا شباب ناشط في مبادرات لرتق النسيج المجتمعي، متسامين في ذلك على فقدان الأهل، المأوى، ورأينا كيف يعمل النوبة والبني عامر سوية للسلام لا فضل لأحدٍ إلا بحب هذا الوطن.

فاللهم أحفظ بلادنا، وحقق مرامي ثورتنا، وأمّن ثغرنا الحبيب.

 

صحفي ومنتج برامج تلفزيونية بقناة سودانية 24

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.