مزمل أبو القاسم يكتب: عذراً سامي المقام

2٬078

للعطر افتضاح

‏* كنا سنتفهم موقف من سعوا لتوقيف سامي عيسى.. مدير إدارة المراجعة الداخلية في وزارة المالية، لو أن التهمة التي وضعوها على عاتقه، واقتادوه بسببها إلى حراسة القسم الشمالي تعلقت بتعديه على مالٍ عامٍ، أو تساهله في حفظه، أو مساعدته على هدره.
* لنضع القرّاء الأعزاء في الصورة نذكر أن سامي عيسى رفض التصديق بصرف منحة العيد لبعض مؤسسات الدولة (ومنها وزارة العدل)، استناداً إلى قرارٍ بالرقم (143) أصدره رئيس الوزراء، وقضى بتوحيد الهيكل الراتبي لأجور موظفي الدولة، فتم تقييد بلاغ جنائي في مواجهته بواسطة مستشار في وزارة العدل، وإلقاء القبض عليه ظهر يوم الخميس الماضي، بادعاء أنه خالف قانون تنظيم وزارة العدل والقانون الجنائي، ورفض تنفيد قرارٍ أصدره مجلس السيادة، وقضى بتعديل الهيكل الراتبي لمستشاري وزارة العدل.
* كنا سنحترم موقفهم أكثر، ونشدُّ علي يدي وكيل النيابة الذي تجاوب معهم، ودوَّن لهم البلاغ، لو أن المتهم الذي تعرض لتوقيفٍ مهينٍ أمام زملائه في الوزارة كان المسئول عن تصديق مبلغ (487) مليون جنيه بالجديد، لشراء (35) سيارة فخمة لمجلس السيادة.. بلا عطاء.
* كنا سنقدِّر فعلهم لو أن الذي تم اقتياده إلى حراسة القسم الشمالي كان متهماً بالموافقة على صرف المبلغ الضخم لاسم عملٍ حديث التسجيل، تمتلكه سيدة تمتلك حظوةً ونفوذاً داخل القصر الجمهوري، بدرجةٍ مكنتها من الاستحواذ على صفقةً بهذا الحجم بلا منافسة، ومن دون أن يستوضحها أحد عن الكيفية التي ستستورد بها السيارات من الخارج، بعد أن قررت وزارة التجارة حظر الشركات الخاصة من استيراد السيارات.
* كان فعلهم سيحظى بالتقدير، لو أنه اتصل بالتحقيق في صفقة الفساد الأشهر، التي نالت بها شركةٌ خاصة عقوداً قيمتها ملايين الدولارات، وتريليونات الجنيهات، لاستيراد البنزين والجازولين والغاز والقمح بلا عطاءات، وحصلت على حظوة تصدير الثروة الأغلى والأقيم للبلاد من دون إلزامها بتوريد حصائل الصادر، دوناً عن كل الشركات العاملة في تصدير الذهب.
* لو فعلوا ذلك استجابةً للطلب الذي قدمه وزير المالية السابق، د. إبراهيم البدوي لوزير العدل، د. نصر الدين عبد الباري لحاز فعلهم استحسان الناس، ولحوى حرصاً مقدراً على حفظ المال العام من الهدر، وصيانة موارد الدولة من الضياع.
* كنا سنشد على أياديهم لو أن إجراءاتهم اتصلت بفتح بلاغاتٍ فيمن تجاوزوا قانون الشراء والتعاقد، وأجروا مناقصاتٍ محدودةً، بأمد زمني قصير، يمتد ثلاثة أيام عمل فحسب، لشراء أسمدة تبلغ قيمتها زهاء الخمسين مليون دولار.
* التفاصيل الصادمة، والمعلومات المثيرة، والاتهامات الخطيرة التي وجهها وزير الطاقة السابق، عادل علي إبراهيم لكبير مستشاري رئيس الوزراء كانت أولى باهتمام ومتابعة وملاحقة مستشاري وزارة العدل والنيابة التي فتحت البلاغ في مواجهة سامي عيسى، الذي لم يفعل سوى تنفيذ القرار الصادر من رئيس الوزراء بالرقم (143)، والخاص بإقرار هيكل موحَّد للأجور.
* حتى لو افترضنا أنه أخطأ، وخالف القانون، واستحق تحريك إجراءات قانونية في مواجهته، فقد كان من واجب من لاحقوه وأوقفوه أن يحترموا منصبه، ويستدعوه إلى التحقيق بأمر تكليفٍ يُسلَّم إليه في مكتبه بكل احترام، بدلاً من إهانته، وإلقاء القبض عليه أمام زملائه، واقتياده إلى القسم في نهاية أيام الأسبوع، ومطالبة رجل الشرطة بتقييد يديه بالكلبشات، ومصادرة هاتفه، وكأنه لص حقير، أو معتاد إجرام متعدد السوابق، وليس مدير واحدة من أهم الإدارات، في واحدة من أكبر الوزارات السيادية للدولة.
* هذا الرجل يستحق التقدير لا الإهانة، والاحترام لا التحقير.
* يعمل سامي عيسى في وزارة المالية، التي تتبع مباشرةً لجهاز تنفيذي يقوده رئيس الوزراء، ومن الطبيعي أن يستجيب لأي قرار يصدر من رئيس الحكومة، ويضعه موضع التنفيذ، ولو افترضنا أنه أخطأ، وما هو بمخطئ، فإن فعله لا يستوجب اقتياده إلى الحراسة مخفوراً بالشرطة، وملاحقاً بالهتافات المستفزة، لأنه لم يضع منحة العيد التي يطالب بها مستشارو وزارة العدل في جيبه الخاص.
* نشرت الصحافة عدداً مقدراً من قضايا الفساد الجديد، وأوردت تفاصيلها الدقيقة، وأرفقتها بمستنداتٍ لا يتطرق إليها الشك، ولم تتحرك أي جهة رسمية للتحقيق فيها، ولم تبادر وزارة العدل بتقصي الحقائق للتأكد من مدى صحة ما نشرناه، مثلما لم تحرك نيابة مكافحة الفساد ولا نيابة المال العام ولا نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه ساكناً لتوقيف المتورطين في نهب وإهدار تريليونات الجنيهات وملايين الدولارات.. وعندما تعلق الأمر (بمنحة عيد) تعطل صرفها بأمر موظف عام تحركت الإجراءات وصدر أمر القبض، وتم اقتياد المتهم إلى الحراسة بسرعة البرق!
* أكدت الواقعة مرةً أخرى أن الحق الخاص محروس في بلادنا بأهله، وأن الحق العام لا بواكي عليه.
* عذراً سامي المقام، حقك علينا.. ولك الله يا وطني الجريح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.