1135*120   Last

مبارك الفاضل يروي قصة رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب

كيف تمت؟ وهل القرار مرتبط بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وما هو دور البرهان وحمدوك وما هو دور دولة الإمارات العربية المتحدة؟

1٬940

مبارك الفاضل المهدي رئيس حزب الأمة

يروي قصة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب

كيف تمت؟ وهل القرار مرتبط بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وما هو دور البرهان وحمدوك وما هو دور دولة الإمارات العربية المتحدة؟

لقد كنت اول قيادي في السودان يعلن موافقته علي إقامة علاقات مع اسرائيل في إطار خدمة مصالح السودان.

كان ذلك خلال لقاء لي في قناة S24 الفضائية السودانية في اغسطس ٢٠١٧ حينها اثار حديثي جدلًا واسعًا وسط الرأي العام السوداني ما بين مؤيد ومعارض ولكن قابل غالبية المواطنين من الشباب والشيب حديثي بحماسة كبيرة في العاصمة وفي الولايات.

صحيح ان سؤال مقدم البرنامج أستاذ الطاهر التوم فاجأني لانه خارج موضوع الحلقة التي كانت اضاءة حول كتابي الذي صدر في تلك الفترة والذي اثار عنوانه اهتمامًا كبيرًا في الأوساط الصحفية والسياسية والاجتماعية( اسرار الصراع السياسي في السودان ١٩٨٥ – ٢٠١٦) ماذا جرى؟

لم يكن سؤال أستاذ الطاهر بريئا فهو إسلامي وصحفي محترف وأنا معروف بعدائي لقيادات الإسلاميين في المؤتمر الوطني وعلي رأسهم زعيمهم علي عثمان محمد طه الذي ربطت أستاذ الطاهر به علاقة قوية.

لقد أجبته علي سؤاله بدون تردد لأني كنت علي يقين بان خروجنا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يحتاج الي رافعة قوية لا تتوفر الا لاسرائيل فقد فشلت الدول الأوربية علي رأسها الاتحاد الأوربي وألمانيا وبريطانيا وفرنسا في إخراجنا من القائمة اللعينة منذ نجاح الثورة رغم نداءاتها المتكررة لحليفتها امريكا.

كذلك كنت اتابع التطورات والتحولات في منطقتنا المطلة علي البحر الأحمر والخليج وقدرت اننا مقبلون علي تحالفات ونظام جديد ستكون اسرائيل لاعبا أساسيا فيه مع تنامي الطموح والخطر الإيراني الذي يتهدد منطقتنا العربية والبحر الأحمر. هذه الخلفية جعلتني من اكثر القيادات السياسية تأييدًا وحماسا لخطوة دولة الإمارات العربية المتحدة الجريئة في قيادة دول المنطقة لخلق واقع جيوسياسي جديد يؤسس لنظام سياسي جديد في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تقوده المصالح الاقتصادية والأمنية لا الخصومات الايدولوجية التاريخية التي عفا عنها الزمن ولم تعد تواكب عصر التكنولوجيا والعولمة. هذه هي الظروف التي فتحت الباب لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لقد خططت امريكا لضم السودان للنظام السياسي الجديد منذ بداية العام ورتبت من اجل ذلك لقاء الفريق عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا في الثالث من فبراير ٢٠٢٠م فكانت نتيجة ذلك الاجتماع اعلان الربط رسميًا بين رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتوقيع اتفاق سلام والتطبيع مع دولة اسرائيل.

ولذلك لم تكن مصادفة ان زار وزير الخارجية ألأمريكية السودان ضمن جولته الخليجية عشية توقيع دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين اتفاق السلام مع امريكا واسرائيل في واشنطن ليقدم الدعوة للسودان لدخول نادي الكبار وحجز مقعده في النظام السياسي الجديد في المنطقة والخروج معززا مكرما من قائمة الدول الراعية للإرهاب .اذاً فالأمر لمن يتابع ويفكر استراتيجيًا لم يكن مساومة او ابتزاز بل استعادة السودان مكانته المرموقة في الإقليم والعالم تكريما لشعب السودان وثورته المجيدة.

موقف الفريق عبد الفتاح البرهان:

قبول الفريق البرهان الدعوة ألأمريكية لمقابلة رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو في أوغندا في مطلع العام لبحث العلاقات مع دولة اسرائيل اظهر حنكة سياسية وقراءة صحيحة للتحولات في المنطقة ومعرفة بمتطلبات الأمن القومي السوداني وهذا ليس غريبًا لان القوات المسلحة السودانية لديها دراسة علمية رفيعة عن الأمن القومي السوداني تدرس في كلية القادة والأركان كان لي شرف حضور عرضا شيقا لها في محاضرة في مقر الكلية في أمدرمان عام ٢٠١٧م (ارى ان تدرس لكل القيادات السياسية والكوادر العاملة بالسياسة بما فيهم رئيس الوزراء والوزراء) اجتمعت مع الفريق البرهان قبل يومين من زيارة وزير الخارجية الأمريكي للسودان التي قدم فيها العرض الأمريكي واتفقت اراءنا حول قبوله من حيث المبدأ لانه يخدم المصالح الاستراتيجية للسودان ثم التفاوض مع الجانب الأمريكي والإماراتي حول مطالب واحتياجات السودان لتضمن في الاتفاق وقد كان واضحا للفريق البرهان والأمريكان ان العقبة تكمن في المكون المدني المكبل بقيود أيدلوجية شيوعية وبعثية ويسوده الارتباك والتردد في اتخاذ القرارات لغياب الرؤية الاستراتيجية والبرنامج، لهذا السبب كان لقاء وزير الخارجية الأمريكي بومبيو مطولًا مع الفريق البرهان حيث جلس بأريحية هو ووفده بدون كمامات وظهر في الصور وهو جالسا للأمام يحكي ضاحكا ويوصف بيديه بينما كان لقاءه مع رئيس الوزراء حمدوك قصيرًا استمع فيه الوزير الأمريكي من خلف كمأمته الي حمدوك وهو يردد عليه قرار حاضنته الشيوعية البعثية بان الحكومة الانتقالية لا تملك تفويضا لتقرر في امر توقيع اتفاق مع دولة اسرائيل وقد نسي حمدوك انه منفردا خاطب الأمين العام للأمم المتحدة طالبا منه قوات اممية بولاية كاملة علي السودان لمدة عشرة سنوات ولولا ان تسرب الخطاب من نيويورك لتفاجئنا بهبوط القوات الأممية في مطار الخرطوم. لكن الوزير الأمريكي لم يتفاجأ لانه كان يعلم مواقف الطرفين قبل وصوله الخرطوم من بعثته الدبلوماسية.

موقف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك:

سجل رئيس الوزراء حمدوك زيارتان للولايات المتحدة ألأمريكية ، ارفع مسؤول أمريكي التقي به كان نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية كما التقت وزيرة خارجيته الرئيس ترامب مرتان مع وفدي إثيوبيا ومصر في موضوع سد النهضة لكن وزيرة حمدوك التي اختارها شخصيًا لم تسعفها قدراتها الضعيفة علي طلب لقاء منفرد بالرئيس الأمريكي ترامب أسوة بالوفدين المصري والإثيوبي فلم يكن أمام رئيس وزراءنا عبدالله حمدوك غير ان يتبني الخط الذي سار عليه نظام الإنقاذ في سعيه للخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم ان الإدارة ألأمريكية ظلت تحول قوائم المرمي كل ما انجز نظام الإنقاذ الشروط التي طلبت منهم kept moving the goal post.

واصل حمدوك التعاقد مع مكتب المحاماة والمستشار الأردني الذي تعاقدت معه الإنقاذ وسار علي درب التسوية في القضايا التي رفعها آسر ضحايا الإرهاب وسدد فعلًا ٧٠ مليون دولار لاسر ضحايا المدمرة كول وتوصل الي تسوية مع أسر ضحايا تفجير السفارتين في كينيا وتنزانيا بمبلغ ٣٣٥ مليون دولار ولكن قبل ان يسدد لهم المبلغ رفع أسر ضحايا ١١ سبتمبر قضية في المحكمة الفيدرالية مطالبين بتعويضات ثم أعلنت والدة غرينفيلد موظف المعونة ألأمريكية الذي قتل في السودان انها سترفع قضية تطالب بتعويض. نتيجة لذلك تعالت أصوات في الكونجرس تنادي بوقف قانون حصانة السودان الي حين سداده تعويضات لاسر ضحايا ١١ سبتمبر ،عيوب هذا المسار أهمها غياب اتفاق محدد المطالب والزمن مع الإدارة ألأمريكية لرفع اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب بل ظل الأمر توجيه شفهي دون التزام كما كان يحدث مع الإنقاذ . العيب الأكبر هو تحمل مسؤولية جرائم نظام الإنقاذ بينما هذه قضايا واحكام سياسية لا تستند الي ادلة او حيثيات قانونية. الخطا الأكبر ان حمدوك لم يؤسس خطته لرفع العقوبة ألأمريكية علي رصيد ثورة ديسمبر التي حركت مشاعر الرأي العام العالمي والكونجرس الأمريكي والدول الغربية تعاطفًا مع السودان.

لقد انقذت ترتيبات النظام الإقليمي الجديد وبعد نظر الفريق البرهان حمدوك من طريق الإنقاذ المسدود الذي اتبعه وخسرنا معه ٤٠٠ مليون دولار كان يمكن ان تسدد فاتورة الوقود او القمح لمدة ٦ اشهر. ولو اتبع حمدوك الخط الذي رسمه لقاء البرهان مع نتنياهو في أوغندا برعاية امريكا لوفر علي الشعب السوداني هذه الغرامات الكبيرة والاعتراف بجرائم لا ذنب له فيها.

دور دولة الإمارات العربية المتحدة:

دولة الإمارات بتوقيعها مع امريكا واسرائيل علي اتفاق السلام تعتبر المؤسس للنظام السياسي الإقليمي الجديد ولا شك ان مبادرتها هذه تأتي باتفاق وتنسيق مع حلفاءها في مجلس التعاون الخليجي خاصة الشقيقة الكبري المملكة العربية السعودية، بهذه الصفة فهي كانت انسب وسيط للمباحثات الأمريكية السودانية لانضمام السودان للنظام الإقليمي الجديد بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتوقيعه اتفاق سلام مع دولة اسرائيل.

طلب الرئيس عبدالفتاح البرهان من ابوظبي رعاية المباحثات السودانية ألأمريكية بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي للسودان. نجحت ابوظبي في إقناع الرئيس ترامب إرسال وفد أمريكي عالي المستوي من مجلس الأمن القومي الأمريكي للتحاور مع الرئيس البرهان ووفده الذي ضم وزير العدل ومدير مكتب حمدوك كممثلين لرئيس الوزراء والجهاز التنفيذي. أثمرت الاجتماعات التي استغرقت يومين مصفوفة اتفاق بين امريكا والسودان تمحورت حول اربع نقاط جوهرية

رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب فورًا

تقديم مساعدات اقتصادية للسودان تصل الي مليار ونصف المليار دولار تدفع دولة الإمارات نصفها، تعفي امريكا ديونها علي السودان البالغة ثلاث مليار دولارز

التزام أمريكي بالعمل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ودول نادي باريس علي اعفاء ديون السودان البالغة ٥٥ خمسة وخمسون مليار دولار وتقديم حزمة مساعدات مالية واستثمارات جديدة للسودان.

انضمام السودان للنظام السياسي الإقليمي الجديد وتوقيع اتفاق سلام مع دولة اسرائيل برعاية امريكا.

هذه كانت اول مرة منذ نجاح الثورة يجلس وفد أمريكي عالي المستوي مع ممثلين لحكومة السودان ويتوصل الي مصفوفة اتفاق مكتوب بشهادة ورعاية دولة الإمارات.

لم يتم التوقيع علي الاتفاق لان ممثلي حمدوك وبتوجيه منه أصرا علي الحصول علي ثلاثة مليارات نقدًا سنويًا لثلاث سنوات ثمنا للتوقيع. انفض الاجتماع علي اجراء مزيد من التشاور.

بادر السيد سفير السودان المخضرم في واشنطن الاخ نورالدين ساتي بمواصلة الحوار مع الجانب الأمريكي حول تنزيل مصفوفة اتفاق ابوظبي الي برنامج تنفيذي وتحسين الدعم الاقتصادي بإضافة امداد امريكا للسودان بالقمح والدواء. وظل يتبادل الرأي مع الرئيس البرهان ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك الذي وافق اخيرا علي الاتفاق نتيجة لضغوط تعرض لها من دول الاتحاد الأوربي في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد وتنامي المطالبة من داخل حاضنته السياسية والرأي العام برحيله هو وحكومته.

الخلاصة:

هذا الاتفاق يعد مكسبًا كبيرًا للسودان يفتح للوطن فرصة ذهبية في العودة بقوة عضوا فاعلا في المسرح الإقليمي والدولي، لقد كان لوجود السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب اثرا مدمرا علي اقتصادنا سيحتاج وقتًا ليس بالقليل لمحو اثاره. لن يعالج هذا القرار وحده أزمتنا الاقتصادية بل هو يفتح لنا باب العلاج الذي ستنعكس اثاره علي المدي المتوسط والبعيد علي معيشتنا شرطا ان تكون لنا حكومة قادرة علي توحيد السودانيين وتفجير طاقاتهم للإنتاج وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي هيكلي.

Last 728*120

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.