باج نيوز
موقع إخباري - أخبار اراء تحليلات تحقيقات بكل شفافية
1135*120   Last

مؤلفة و مخرجة فيلم (الست) سوزانا ميرغني لـ (باج نيوز): بعد (3) عقود من الكبت الثورة اتاحت الفرصة للإبداع

1٬239

فيلم سوداني حاز على جوائز عالمية و مُرشح للمنافسة في (أوسكار 2022)

هذه (……..) هي معوقات صناعة السينما في السودان
الخرطوم: ابتسام حسن
سوزانا ميرغني كاتبةٌ وباحثةٌ وصانعة أفلام مستقلةٍ تسعى لتسليط الضوء على قصصٍ من العالم العربي. تخصصت في دراسات الإعلام ودراسات المتاحف، وقمت بتأليف وتحرير العديد من الكتب والمقالات الأكاديمية. تهتمُّ سوزانا، ذات الأصل السوداني والروسي، بقصصٍ تغوص في تعقيدات الهوية. وقد كتبت وأخرجت وأنتجت عدداً من الأفلام القصيرة منها “الست” (2020)، و”كرفان” (2016)، و”حلم هند” (2014).

حدثينا عن واقع السينما السودانية؟
السينما والسياسة مرتبطتان ارتباطا وثيقاً ويمكن ملاحظة ذلك الارتباط أو عدمه في حالة السودان، ففي 2019 ثار الشعب واسقط النظام الشمولي الذي جسم على صدر البلاد لثلاثة عقود واستعاض عنه بحكم مدني والذي ضم بالضرورة العنصر النسائي في الصفوف الأمامية، فبعد ثلاثة عقود من الكبت اتيحت الفرصة للإبداع والتعبير ووجدت المرأة مساحة أكبر للنضال من أجل مجتمع متساوي، وبلا شك السينما تعتبر واحدة من طرق التعبير، ولكن ورغم انني أعمل في مجال السينما منذ عشر سنوات لكن لم افكر في عمل فيلم في السودان لاعتقادي باستحالة ذلك، وقد كان من اللافت جداً إصرار رواد في مجال صناعة السينما أمثال امجد ابوالعلاء ومروة زين وحجوج كوكا وصهيب قسم الباري على صناعة الأفلام قبيل الثورة.
في العام 2019 وبعد نجاح الثورة شعرت أنه ليس فقط البحث عن إمكانية صناعة فيلم بل الأمر أصبح ضرورة للتعبير عن الأصوات والأراء والقصص عن طريق التأليف السينمائي في السودان خاصة أن ذلك لم يكن مسموحا به في السابق لفترة طويلة قبيل الثورة المجيدة.
برائك ماهي المعوقات في طريق السينما السودانية؟
هنالك الكثير من المعيقات في طريق السينما في السودان ولكن ساتناول أثنين رئيسيين، فالخطوة الأولي في صناعة الأفلام هي التدريب الفني والنظري، ورغم ذلك فبإمكان أي شخص أن يصنع فيلماً في جهاز هاتفه المحمول ولكن من جهة أخرى فإن صناعة الإفلام هي حرفة ويجب التعامل معها بجدية، فالسينما هي فن له تاريخ طويل يجب أن يتم دراسته.
و في السودان نجد أن سودان فلم فاكتوري تقوم بعمل جليل فيما يختص ببرامج التدريب خلال العام، ولكن من الأفضل أيضا أن تعطي مساحة في الجامعات والمدارس لعمل دورات تدريبية في صناعة الأفلام وتاريخ صناعة السينما.
أما المعوق الثاني بالنسبة لصُناع الأفلام هو عدم وجود التمويل الداخلي الكافي وصعوبة الحصول على تمويل خارجي، فصناعة الأفلام مكلفة جداً وتستوعب محترفين في المجال ناهيك عن المعدات اللازمة وهذا ما يجعل الحاجة ملحة إلى نوع من الاستثمار المؤسسي لتحويل عمل الفيلم الي صناعة .
وبصراحة أقول السبب الوحيد الذي مكنني من عمل فيلم في السودان هو أنني تلقيت دعماً دولياً من مؤسسة الدوحة للأفلام فقد تلقيت دعما سخياً من خبراء متميزون انتجوا افلاما عظيمة، هذا بالإضافة إلى دعم مجموعة فريق الانتاج الاعلامي وأيضا سودان فلم فاكتوري.
من أين جاءت فكرة فلم (الست)؟
هنالك فكرتان أسست على اساسهما فيلم (الست)، الأولي هو ما اختزن في ذاكرتي عن القطن وذكرياتي مع جداتي كطفلة اتذكر جدياً زيارة حقول القطن حيث كنت شغوفة بجمالها، فرؤيتي لزهرة القطن في الوهلة الأولي جعلتي افكر كم هي جميلة وغريبة وذات فائدة كبيرة واعتبرها هدية من الخالق يتم قطفها وحلجها وتحويلها لخيوط بواسطة النساء كبيرات السن.
عندما كنت يافعة كنا استمتع بحديث الجدات عندما يجتمعن لأنهن دائما ما يحدثن بقصص مشوقة بمفردات توارثنها وكان حديثهن وحكاياتهن بمثابة تعليم لي عندما اجلس بجانبهن فهنالك دائما ثمة نقطة او نقاط مهمة التقطها.
وهذا جعلني أوائم بين قصتي مع القطن وحديث الجدات لاستلهم منها العمود الفقري للفيلم.
صورة مقربة عن قصة الفيلم؟
تدور أحداث الفيلم حول فتاة سودانية أرادت أن تُعبر عن نفسها وتحدد خياراتها بنفسها في الزراعة التقليدية بإبتدار الطرق الحديثة في الزراعة.
(نفيسة) فتاة سودانية تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً تعيش في قرية معروفة بزراعة القطن في بلدها السودان، قلبها مولع بشاب يدعى بابكر، لكن أهلها رتبوا لها زيجة بالشباب نادر وهو رجل اعمال يعيش في الخارج، أما جدتها ذات المكانة السلطوية في القرية و(الست) الآمرة الناهية هنالك، فهي الأخري رسمت خططاً خاصة لحياة نفيسة ، فهل ستستطيع هذه الفتاة أن تختار بنفسها مسار حياتها القادم؟ يقدم فيلم الست قصة عاطفية من السودان عن النساء، سواء الجالسات في أعلى هرم السلطة أو في قاعة، مسلطا الضوء علي طرفي السلاسل الاجتماعية والتغييرات التي تفرضها الحياة العصرية على هذه المجتمعات.
كيف تم الترتيب للفيلم ؟
أخيراً بدأت صناعة الأفلام في السودان في الإزدهار بعد عقود من الحظر والإهمال، السودان يفيض بالمواهب ولكن هناك فرصة ضئيلة لإظهارها ، لقد صنعنا هذا الفيلم مع طاقم سوداني بنسبة 99% ولبناني بنسبة 1% (بما في ذلك دور نفيسة ومحمد مجدي الذي لعب دور نادر وهم يمثلون لأول مرة.
أجرينا تجارب أداء بشركة السينما السودانية لاختيار العناصر الاساسية بما فيهم مهاد مرتضي، محمد مجدي وفاطمة فريد وطلعت فريد ومرتضي الطيب، والممثلون القدامي مثل رابحة محمود والسر محجوب وحرم بشير وعبدالله جكنون وجميعهم من عمالقة المسرح.
ماهي المعوقات التي واجهت إخراج الفيلم؟
عدت للسودان لعمل هذا الفيلم بعد غياب طويل عن البلاد لذا كانت المعضلة الرئيسية هي كيف يمكن عمل فيلم في السودان؟ فقد حضرت ومعي النص وبعض المال برفقة المنتج المشارك إيمان ميرغني فقط، لكن ولدهشتي الكبيرة وجدت تعاوناً منقطع النظير من الجميع حولي، وبعد أيام قلائل فقط تمكنا من إجراء إتصالات من خلال المخرج المساعد سلوي الخليفة والتي قامت بدورها بتعريفينا بالطاقم المستقبلي بما فيهم المساعد الثاني للإخراج عاطف عركي. ولا أبالغ إن قلت أن بالسودان محترفين مميزن لم التق بمثلهم من قبل فمثلاً المصور السينمائي الاستاذ خالد عوض فيلسوف مع الكاميرا وهو يقود فريقه بحرفية عالية متشبعا بروح الزمالة، و المعز محمد حجر المدني هو بمثابة المايسترو الذي يقود طاقمه على دقات طبول الموسيقي العسكرية ، وفنانون مثل سارة عوض وريان إبراهيم ومحمد المر (سيمبا) يفعلون الأعاجيب، وفريق الإخراج الذي يقوده عبدالله عثمان، جعل من المستحيل ممكنا، مدير الإنتاج عنان محمد وعائلته وقريته بالعزازة ساعد في عمل هذا الفيلم حيث رحبوا بنا في منازلهم بمثلما فعلت أسرة محمد المر عندما تم التصوير في منزلهم لعدة أيام، وليس افضل من الجلوس حول طاولة الإفطار لتناول ملاح (التقلية) الذي طبخته عائلة عنان أو إرتشاف كوب من الشاي والثرثرة مع أسرة النور.
وبالنسبة لي فهذا كل ما يتعلق بالفيلم أنه خُلق فيمجتمع من المحترفين وغير المحترفين بحيث عايشنا كلنا احداث الفيلم، وإنه لمن درواعي سروري أن إعيد إرتباطي بالسودان عن طريق إنتاج الافلام.
ما هي رسالة فيلم الست؟
رسالة مخرجة الفيلم إن هذه القصة من السودان عن النساء، الضعيف منهن والقوي، في كثير من القري السودانية، تُعظّم وتُحترم الأم الحاكمة وتكتسب سلطة اجتماعية من خلال السن والخبرة، على الصعيد الآخر ، نجد أن الفتيات الصغيرات هن الأكثر ضعفا في المجتمع، يستكشف هذا الفيلم كل طرفي السلسلة الاجتماعية وكيف أن هذه الأدوار الاجتماعية يمكن أن تتغير في عالم حديث.
– الجميع لديه أسباب أنانية وراء تشجيعهم أو رفضهم لفكرة زواج نفيسة البالغة من العمر الخمسة عشرة عاماً، الجميع باستثناء العروس المستقبلية، في السودان، قابلت الكثير من الفتيات مثل نفيسة: مراهقات يعشن على هامش حياتهن يشاهدن بصمت الآخرين وهم يأخذون قرارات مصيرية بالنيابة عنهن، كثير منهن لا يدافعن عن أنفسهن ظناً منهن أنهن لا يملكن خياراً آخر، من خلال هذا الفيلم استشكشف إمكانية أن تدلي فتاة صغيرة بتصريح رغم كل الصعاب، هذا التصريح يبدو بسيطاً (اختيار من تحب) هذا الفيلم يعطي صوتاً للفتيات الصغيرات مثل نفيسة.
ما هي الجوائز العالمية التي تحصلت عليها؟
فيلم (الست) نال جائزتين في مهرجانيين للسينما العالمية، الأولي كانت القنال + جائزة في 2021 في مهرجان كليرمنت فيراند العالمي للفيلم القصير في فرنسا (وهو أكبر مهرجان دولي للفيلم القصير في العالم) والجائزة الثانية هي الجائزة الكبري (قراند بري) في 2021 في مهرجان تامبير للفيلم في فنلندا وهي الجائزة المؤهلة للفيلم ليكون في الإعتبار ضمن جوائز الأوسكار في عام 2022.
إلى من تهدي هذا النجاح؟
هذا الفيلم لم يكن ليخرج إلى النور لولا العمل الشاق الذي قام به أُناس سُعدت بالعمل معهم بما في ذلك طاقم الممثلين والمؤسسات التي ساهمت ودعمت، والشكر موصول لأسرتي في السودان وفي انحاء العالم المتفرقة لدعمهم المتواصل.
إن نجاح هذا الفيلم هو نجاح للسينما السودانية وهذه الجوائز هي دليل على أن لدينا قصص عظيمة وممثلين كبار وأطقم إخراج محترفة والمشاهدين حول العالم مهتمين وشغوفين بمشاهدة السودان في الشاشة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.