زهير السراج: شروط التطبيع !

مناظير

448

* انتقد كثيرون لقاء البرهان ونتنياهو باعتبار أن التطبيع مع اسرائيل لن يفيد السودان بشيء، وإلا كان قد أفاد دولاً سبقت السودان الى هذه الخطوة مثل مصر وتشاد وأوغندا التي لم تتغير أحوالها السياسية والاقتصادية الى الأحسن بعد التطبيع مع إسرائيل، وظلت تعاني الكثير من المشاكل الداخلية، إن لم تتدهور أحوالها أكثر من السابق!

* من قصور الفهم أن يتوقع الشخص او يعتقد ان التطبيع مع اسرائيل يعني التخلص من المشاكل والانتقال من الجحيم الى الجنة، ويتحدث بسذاجة عن دول لم تستفد منه شيئا، وكأن إسرائيل لديها عصاة سحرية تهزها فوق رأس المُطبّع فيصبح أسعد انسان في الوجود، يمتلك كل شيء، ولا يعاني من شيء، بينما هي دولة كباقي دول العالم رغم المعاملة المميزة والحماية التي تجدها من الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الغربية لاعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية ..إلخ، وليس على المرء ان يتوقع ان تنفتح له أبواب السماء وتنهمر عليه الثروات عند اقامة علاقات طبيعية او التطبيع معها!

* تطبيع العلاقة مع دولة (عدو) يعني ان حالة العداء معها قد انتهت بكل مشاكلها وهو في حد ذاته امر إيجابي، بالإضافة الى إمكانية التعاون بينهما، وهو ما يجب أن تسعى اليه إذا كنتَ تريد بناء علاقات متوازنة مع الدول الأخرى وانتهاز أي فرصة للاستفادة منها وتطوير نفسك في المجالات المختلفة، خاصة اذا كانت تلك الدول تحظى بعلاقة مميزة مع دولة كبرى مثل الولايات المتحدة ولديها نفوذ كبير داخل اجهزة اتخاذ القرار فيها مما ييسر عليك قضاء حوائجك في امريكا او على الاقل عدم وضع العوائق في طريقك، وكمثال على ذلك موضوع وجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب الذي يمكن ان تساعدنا اسرائيل بنفوذها الكبير داخل البيت الابيض والكونجرس الأمريكي في التخلص منه إذا أنهينا حالة العداء واقمنا علاقات طبيعية معها، ولا يخفى على أحد التأثير السلبي الكبير لهذا الموضوع على علاقتنا وتعاوننا مع العالم في كافة مجالات الحياة، لو نجحنا فقط في التخلص من هذه الأزمة الكبرى نكون قد حققنا انجازاً كبيراً، ولكننا نستطيع تحقيق إنجازات أخرى بدون شك بالتطبيع مع اسرائيل!

* المسألة قد تبدو معقدة للبعض ولكنها ليست كذلك، ونستطيع في مقابل إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل أن نحصل على ما نريد إذا تعاملنا بذكاء ودهاء مع هذه الورقة التي كسبناها بلقاء البرهان ونتنياهو .. وباختصار شديد، إذا كانوا يطلبون منا إقامة علاقة طبيعية مع إسرائيل فلدينا نحن أيضاً مطالب، إذا كانت لديهم شروط، فلدينا شروط.. هذه هي الطريقة التي يلعب بها الأذكياء، ومنهم على سبيل المثال الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي استطاع بما عرف عنه من مكر ودهاء وصبر أن يسترجع سيناء ويحصل لمصر على علاقة مميزة بأمريكا ودول الغرب، بالإضافة الى معونة أمريكية سنوية قدرها 2.1 مليار دولار، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية، عدا التخلص من حالة الحرب مع اسرائيل التي كانت تضع عليها حملاً ضخماً وتبدد كل ميزانيتها على الانفاق العسكري، ولو استمرت هذه الحرب وحالة العداء مع إسرائيل لربما كانت (مصر) اليوم في وضع صعب جدا، إذا ظلت باقية على قيد الحياة، صحيح أن مصر تعاني الكثير من المشاكل حالياً، ولكن بالتأكيد فإن انتهاء حالة الحرب مع إسرائيل جعلتها أقل حدة .. كل ذلك في مقابل سفارة إسرائيلية في القاهرة يرفرف عليها علم إسرائيل، لا أكثر من ذلك!

* نستطيع تحقيق فائدة قصوى من التطبيع مع اسرائيل ولكن بشرط ان نلعب هذه الورقة بذكاء، وليس كالذين لم يحسنوا استغلالها واستعجلوا إقامة علاقات معها على أمل ان يحصلوا على فوائد مستقبلية، ولكن تبددت آمالهم، وهو ما جعل معارضي التطبيع يرددون الببغاوات .. (ماذا استفاد الذين طبَّعوا مع إسرائيل؟! )، بدون ان يفهموا ان السياسة هي لعبة الاذكياء، أما الأغبياء فليس لهم إلا التهريج ورفع الشعارات البراقة والبقاء في المؤخرة !

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.