د. عبد اللطيف البوني يكتب: كوار وليس حساب

2٬860

حاطب ليل

د. عبد اللطيف البوني

كوار وليس حساب

(1)

اعتذر لي الصراف وهو يعطيني ما أطلبه من عملة من فئة العشرة جنيهات بعد أن وضعها لي في كيس ظريف؛ وبالطبع كنت متضايق بعض الشيء من حملها؛ ولكن ما كنت أعتقد أن الضيق الجد كان ينتظرني في تصريفها. وضعت ربطة منها في جيبي ورزعت بقية الكيس في ضهرية العربية؛ وبالطبع لم ينتابني أي خوف من أن يكون هناك لص يتابعني، دخلت السوق فكان أول وقوفي أمام بائعة اتفقنا على المقدار والسعر فأخرجت الحزمة من جيبي وبدأت أحسب، فقالت لي ياحاج ما تحسب. ليه؟ القروش دي أنا ما دايرها. ليه؟ أقل حاجة أبو خمسين وأكان مافي أبوعشرين جديدة؟ أنا الآن بفرز ليك وبديك جنيهات سليمة. ياحاج أبوعشرة بتاعتك دي أنا ما دايراها وأكان ما عندك غيرها شيل (أشارت لما اشتريته منها) وأمش. وضعت لها بضاعتها وهممت بالانصراف ولكن تدخل شاب يبدو أنه يعرفني معرفة عامة قائلاً يا أستاذ شيل, وأديني القروش أنا ببدلها ليها بقروش كبيرة أصلي أنا قاعد في السوق.

(2)

لم أغضب من تلك البنت وقد وجدت لها في نفسي ألف عذر فالمؤكد أن لها ظرف أو تجربة حتمت عليها ذلك وفي نفس الوقت لم اتفاجأ بانهيار قيمة الجنيه السوداني فهي معلومة عندي بالضرورة، ولكن فوجئت بالمهانة التي لحقت بهذا الجنيه والاحتقار الذي وصل إليه وأشهد الله ما اشتريت شيئا بتلك القروش التي صرفت لي وما أعطيت البائع قيمة السلعة إلا ويرميها في مستودع قروشه دون أن يقوم بمراجعتها لدرجة أنني اشتبكت مع أحدهم إذ أعطيته (خمشة) دون أن أحسبها، فقلت له أحسب وشيل حقك فرفض، وقال أحسب أنت فرددت عليه أحسب أنت. أحسب ما تحسب أخيراً تناول المبلغ من يدي ووضعه في درجه قائلاً ياحاج ورانا شغل، فانصرفت دون أن أصرف معه أي كلام.. أي إهانة وأي إساءة يمكن أن تحدث للجنيه أكثر من هذه؟

(3)

في بلاد أكثر منا فقراً وأقل منا موارد لم تنهار عملتها بهذا الشكل. فالشغلانة ليست اقتصادية بحتة بل للسياسة فيها دور كبير. ما جره النظام السابق من جناية على هذا الجنيه معلوم للجميع فهو السبب في كل هذا التردي بالسياسات التي تخدم فراداً أنانيين وتستبعد المصلحة العامة ولكن الطاقم الاقتصادي في حكومة حمدوك الانتقالية هو الذي أطلق رصاصة الرحمة على هذا الجنيه المسكين، فسياسات إبراهيم البدوي فيما يتعلق بالذهب وشراء السلع الأساسية ورفع المرتبات غير المدروس أضافت للدولار خمسين جنيها خصما على الجنيه السوداني، أما السيدة هبة فتصريحها برفع قيمة الدولا الجمركي من 18 إلى 30 جنيها واردفت ذلك بالقول ان سعر الدولار في البنك سيكون 122 جنيها في الميزانية المرتجاة ورغم ان ذلك زاد سعر الدولار سبعين جنيها (فد دقة). متى تدرك حكومتنا السنية ان الجنيه مثله مثل الارض والحدود والسيادة، فانهياره مقدمة لانهيار كل شيء.

وقديما قال شاعرنا الفحل الحاردلو في شبل للاسد تعرض للمهانة بعرضه للبيع في السوق (جابوك للسوق ساكت داردر وضيعة\ امك في الحريم ما ها المراة السميعة \نترة ناس ابوك اللي الرجال لويعة \ات اكان كبر جنبا تقلب البيعة).

نقلاً عن (السوداني)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.