1135*120   Last

د. عبد اللطيف البوني يكتب: الفاتح من سبتمبر

178

حاطب ليل

د. عبد اللطيف البوني

الفاتح من سبتمبر

(1)

في مثل هذا اليوم من عام 1969 صحا العالم على انقلاب عسكري في المملكة الليبية على الملك إدريس السنوسي يقوده شاب دون الثلاثين من العمر حدث هذا الانقلاب والمملكة الليبية يومها تعج بالقواعد العسكرية الغربية, أمريكية وبريطانية مما جعل مغامرة الشاب العقيد معمر القذافي كبيرة جدا. بعد ان كانت المملكة الليبية مصنفة من البلدان المحافظة حولها الشاب معمر الى جمهورية راديكالية تقوم على آيدولوجية يسارية متطرفة تتمثل في القومية العربية فأفرغ ليبيا من القواعد العسكرية الغربية وأمم شركات النفط وأعلن عداءه لإسرائيل وجعل من قضية فلسطين قضية مركزية بالنسبة له واعتبر عبد الناصر أباه الروحي ورفع راية الوحدة العربية واتبع القول بالعمل إذ قام بعشرين محاولة للتوحد مع الدول العربية في ظرف تسع سنوات فقط. لقد ملأ القذافي الدنيا وشغل الناس في العقد الخير من القرن العشرين.

(2)

بعد أن فشلت محاولات الوحدة العربية التي قادها العقيد القذافي لأسباب متعلقة بشخصة ولظروف موضوعية تتعلق بالفكرة والمنطقة قاطبة انقلب عليها القذافي وأصبح أشد الناس عداوة لاي شيء عربي، فأيد إيران ضد العراق ودعم جون قرنق ضد الخرطوم ودعم المسيحيين في لبنان ضد المسلمين ودعم مسيحيي أريتريا ضد مسلميها وجنوبي اليمن ضد شمالها ومنقستو ضد النميري أما داخليا فقد ابتدع القذافي سلطة الجماهير تمارسها عبر مؤتمر الشعب العام الذي يتلقى الموجهات من القائد الملهم الذي هو القذافي نفسه وأراق دم كل معارض له يساريا كان أم إسلاميا. استمر القذافي في السلطة المطلقة 42 عاما يشرق ويغرب كما يريد وأنفق على الوحدة العربية ثم على الوحدة الأفريقية ودعم حركات التحرر في المنطقتين ثم عاداها وقام بحادثة لوكربي التي كلفته المليارات الممليرة وأنفق المليارات في إنتاج السلاح الكيمائي ثم سلمه بربطة المعلم لأمريكا أنفق المليارات على النهر الصناعي العظيم الذي لا يزيد عن ترعة فرعية في مشروع الجزيرة حارب الملكية وعاش هو وأسرته عيشة الأباطرة والسلاطين وفي النهاية مات بثورة شعبية كان نصيبه منها خازوق.

(3)

نحن في السودان تأذينا من القذافي على مر العهود (النميري والصادق والبشير) أكثر من أي دولة أخرى ولكن تبقى سيرة ومسيرة القذافي فيها من الدروس والعبر ما يستحق الوقوف والتوقف ولعل أول ذلك ان دور الفرد في التاريخ لم ينته لصالح المجموعة كما يرى بعض المؤرخين، فالفرد الاستثنائي سلبا وإيجابا سيظل موجودا، ثانيا ان حكم الفرد مهما تدثر بالإصلاحات سوف ينتهي الى كوارث (القذافي, صدام, سياد بري, علي عبد الله صالح, عمر البشير)، في تقديري عبد الناصر والنميري رغم ديكتاتوريتهما فقد شكل لهما الاتحاد الاشتراكي ساترا من الحكم المطلق بدليل ان أسرتيهما كانتا بعيدتين عن السلطة، أما الجنرال عبود ففوقه الله ولكن يبقى في النهاية انه لا بديل للديمقراطية التي توفر حرية التعبير وحرية التنظيم. ديمقراطية ليست بالضرورة أن تكون قائمة على طريقة ويستمنستر، بل هناك سبل أخرى للوصول إليها ولكن تبقى مشكلة الديمقراطية لما (تمشي لناس ما بتقدر) وأنا ما بفسر وإنت ما تقصر.

نقلاً عن (السوداني)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.