1135*120   Last

د. إبراهيم الصديق على: البعثة الاممية: ما وراء الاقنعة(1-2)

رؤى وأفكار

474

(١)
من المفيد ان نؤسس لتحليلنا حول طلب السيد رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك لبعثة أممية، ببعض النقاط المفتاحية:
اولاً : الفترة الانتقالية محدودة الأجل، وقد تزيد قليلا، وفق ما رشح عن مفاوضات السلام، ووفق ذلك فإن رئاسة الفريق أول عبدالفتاح البرهان للمجلس السيادي تنتهي في يونيو ٢٠٢١م وسيتولي بعده الرئاسة أحد أعضاء المكون المدني، وسيكون القائد الأعلى للقوات المسلحة بصفته الجديدة و قائدا لكل الأجهزة الأمنية.
ثانياً: هذه فترة استحقاقات السلام، وسيترتب عليه إعادة هيكلة للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، دون غطاء من المكون العسكري الذي سيحظي فقط بعضوية في المجلس السيادي ودون أغلبية، وهى فترة إجراءات الإنتخابات والمؤتمر الدستوري، وربما تم تأجيل النظر في أمر هذه القضايا بتعمد، إنتظارأ للقادم الجديد.
ثالثاً : دون شك أن هناك مصالح وتقاطعات دولية وإقليمية، تدفع بإتجاهات متعددة، ولدي هذه الأطراف رغبة في إحداث تغيير جذري في السودان وفي الأقليم والمنطقة ككل، وليس بالضرورة أن يكون ذلك معبرا عن إرادة سودانية خالصة أو مصلحة وطنية،
ومما يذكر هنا، أن أحد الخبراء في الترويكا خلال محادثات سد النهضة، قال لأحد الخبراء الأفارقة، (إن أكثر ما يهمهم تحقيق مصالح مصر وضمان إستقرار اثيوبيا، وإن السودان ليس نقطة تركيزهم)، وربما كشفت مجريات الواقع السياسي لاحقا بعضا من صحة هذا الرأي.
رابعاً : إن مفهوم سيادة الدول لم يعد بذات رمزيته في القرن الماضي، والعالم اليوم تحكمه مصالح وأجندة داخلية، وربما من المصلحة دراسة ماهي المصالح المترتبة على أي قرار دولي؟ ونضيف لذلك ان نيكولاس هايسوم رئيس البعثة عرف بتدخلاته في الشأن الداخلي وتجربته في الصومال وافغانستان محل جدل.
خامسا: وكما قال الحزب الشيوعي في بيانه (إن رئيس الوزراء حمدوك اعطي الأمم المتحدة شيك على بياض)، إن اي قرار أممي لابد أن يكون مشروطا ببندين:
– توافق وطني داخلي وتفويض شعبي.
– حزمة سياسية ومهام واضحة ومحددة الأجل، وكل ذلك لم يحدث، إن الحديث عن السلام ومطلوباته قبل تحققه يبدو ضربا من (الظن)، وهذا لا تترتب عليه أحكام وقرارات، إلا إذا كانت هذه القرارات مطلوبة لذاتها.. وهذا محل تساؤل؟
وسادسا: إن الحملة على الأجهزة الأمنية مدروسة، وسيصدر تقرير فض الاعتصام لاحقا وستكون هناك ملاحقة قانونية ، وفى الدوائر الاوربية، هناك مخططات ضد بعض المؤسسات، وستتعالي أكثر ضد الدعم السريع وضد الأمن والمخابرات، لقد اقتادت قوات الأمم المتحدة رئيس ساحل العاج السابق لوران واغباغبو عام ٢٠١١م إلى المحكمة الجنائية، وبعد سنوات ثبت إن الإتهامات زائفة،وهو مشهد يمكن أن يتكرر والبعض يسوق له الآن.
(2)
ولتقريب الصورة أكثر علينا أن نراجع الوقائع ثم نقايس ذلك على المعايشة والواقع :
اولاً : في ٥ سبتمبر ٢٠١٨م اعتذر د. حمدوك عن حقيبة المالية في حكومة رئيس الوزراء السيد معتز موسى، وفى ٧ نوفمبر ٢٠١٨م غادر حمدوك موقعه في المجلس الاقتصادي بالاتحاد الافريقي وفي ٩ ديسمبر ٢٠١٨م ومع الحراك السياسي كان د.حمدوك هو المرشح لرئاسة الوزراء دون منازع، وزار خلال هذه الفترة المملكة المتحدة، وربما يجدر الإشارة هنا، أن ثمة مؤشرات تؤكد إن هناك خلية عمل ومستشارين .
ثانياً : هناك مجموعة من الخبراء وبمشاركة شخصيات مختارة من السودانيين، اعدوا في أغسطس ٢٠١٨م خارطة طريق إنتقالية مفصلة، وقد استغرقت الدراسة وقتا طويلا، وأمتد النقاش حولها من جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية وابوجا بنيجيريا ونيروبي بكينيا وجوهانسبرج بجنوب أفريقيا، وحظيت بتمويل ودعم الترويكا الأوربية، ويبدو ان لهذه الرؤية الان مساحة من النفاذ أكثر من أي بنود أخرى، وذلك في الوقت الذي غابت فيه رؤية وخطط قوي التغيير.
وثالثا: وربما يدعم ذلك أكثر تغريدات السفير البريطاني في السودان عرفان صديق والتي أوضح فيها أن طلب البعثة الأممية جاء بإقتراح بريطاني وألماني.
ورابعا : فإن ذلك يشير أكثر إلى أن القوى السياسية السودانية ونخص هنا (قوي الحرية والتغيير) لم يتم مشاورتها في الطلب، ويبدو ان مدافعة البعض عن القرار لحفظ وحدة المنظومة السياسية لا أكثر، فمن الصعب تصديق ان حزب البعث مثلا، وافق على هذه البعثة وهي ذاتها التي اقتادت صدام حسين ، أو كيف ان حزب الأمة بكل تاريخه في مصادمة الإستعمار يعود اليوم لطلب السند من هذه المنظومة الأممية؟ أو الشيوعي الذي نشأ كجبهة معادية للاستعمار؟
خامسا: رغم تغريدات د. حمدوك الداعمة لحشد الطاقات الإنتاجية والموارد الذاتية، فإن جهوده تركزت على الدعم الخارجي وآخرها إجتماع باريس يوم الخميس ٧ مايو ٢٠٢٠م والذي كانت خلاصته ١٠٠ مليون دولار،كما أن عجز الموازنة والبالغ ٥٩٪ رهين في غالبه على المجتمع الدولي..
وخامسا: بينما ينشغل المجتمع بقضاياه الحياتية فإن بعض توجهات وقرارات الحكومة تخاطب جهات أخرى، وأول تصريحات وزير الاوقاف عن اليهود، وخلال زيارة د. حمدوك الي أمريكا اصطحب معهم وزراء يخاطبون شرائح محددة، بل ان الترشيحات السابقة لتعيين وزير الدولة عمر قمر الدين كانت ترجح السعى لاقناع قطاعات محددة في أمريكا وغيرها وذلك لصلة قمرالدين ببعض مجموعات الضغط.
كل هذه المؤشرات تدل على ثلاث حقائق :
* ان هذه البعثة لم تكن بإرادة سودانية خالصة وان نشؤها مبعث للقلق وأنها جهد من فعل كبير ، وأن هناك ما يشبه الخلية ربما تدير الشأن السوداني وتشارك في صياغة التفاصيل.
* أن هناك توجس من المكون المدني تجاه المكون العسكري، على الأقل هذا ما تقوله الوقائع وليس الألسن، وأن هذا الطرف يسعى الي تقوية صفه بسند خارجي، ولو اننا استعرضنا جلسة مجلس الأمن الأخيرة بخصوص هذا الأمر نجدها كله تتجه للإنتقال المدني، واي قوة خارجية تأتي البلاد بهذه الروح ستكون نتائجها وخيمة.
* هذه البعثة تعبر عن فشل النخبة السياسية السودانية في إدارة انتقالية، والتوافق على مصالح البلاد العليا، مما يقتضي الاستعانة بعون أجنبى.
(3)
إن النظر لهذه الخطوة لا يمكن دون قراءة أوسع، فهناك خطة كبرى تستهدف اختطاف الوطن بتاريخه وثرواته وإعادة تشكيل الإقليم والمنطقة.
وعليه فإن النظر للقضايا من منظور وطني خالص أولي من الإستغراق في تفاصيل يومية.
لقد انفرد الفريق أول عبدالفتاح البرهان بقرار لقاء نتنياهو إلتماسا لمصلحة وطنية وفق تفسيره وانفرد د. حمدوك بطلب البعثة وبالتأكيد إن كل واحد منهم حصل على استشارة ما، دون أن يدار نقاش وطني، وهذا أمر معيب، وخاصة إذا كان يستهدف الوطن كله، لإن البعثة الأممية ذات تفويض واسع، وسيعاد ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي وشكل الحكم ومستوياته وفق منظور القادمين الجدد، فهذه قضية محورية.
لقد شهد السودان محطات تاريخية مفصلية تجاوزت فيه قواه السياسية والإجتماعية الإحن والغبن، وهو أمر مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن الضجيج الراهن من قرارات إعفاء أو تكليف أو محاكمة أو إنتزاع ممتلكات مجرد آلية لإثارة الغبار وتغبيش الوعي مما يجري فعليا، فهذه القرارات يمكن أن تلغي بجرة قلم، أو وفق قرارات قضائية أو مؤسسات تشريعية،إن ثمة قلوب كظيظة بالغل والحقد تقود البلاد إلى مصير مجهول وينبغي ان نتوحد لتجنيب وطننا ذلك
إن إحداث أي تحول في البناء الدستورى أو تفتيت المؤسسات الأمنية وتمييع القيم الثقافية أو إحداث شرخ في البناء الإجتماعي والتماسك الوطني، أو التفريط في ثروات البلاد فإن هذا (فتق يستعصي رتقه).
إن المطلوب الآن هبة وطنية شاملة، من قطاعات مجتمعية، وأساتذة جامعات وخبراء واستنفار لأصدقاء السودان كوطن بعيدا عن المواقف السياسية، لإن هذه (الطامة) ستؤدي بالسودان للتشظي والتآكل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.