الطاهر ساتي يكتب: ما بعد السَّلام..!!

121

إليكم

الطاهر ساتي

ما بعد السَّلام..!!

:: اليوم، تستقبل الخرطوم بعض صُنّاع السَّلام من الطرفين، وتحتفي بهم في ساحة الحُريّة.. وفد التفاوض الحكومي برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو، نائب رئيس المجلس السيادي، وبعض أعضاء وفود التفاوُض بالجبهة الثورية..  مرحباً بهم، وشُكراً لهم على كل تحمُّلهم متاعب أشهر التفاوُض حتى تَحَقّق حُلُم التوقيع على دفتر السَّلام، ونأمل أن تكتمل الأفراح قريباً باستقبال عبد العزيز وعبد الواحد محمد نور..!!

:: وشُكراً لشعب وحكومة الشقيقة جنوب السودان، ولكل الدول الصديقة التي تُساهم في صناعة هذا السَّلام.. ورغم أهميته، وكذلك المُرتقب مع الحلو ونور، يجب التنبيه بعدم التوهُّم بأنّ السَّلام وحده (ليلة القدر)، بحيث بها تَتَحَقّق كل الآمال والأحلام.. لا.. فالسَّلام جُزءٌ من الكل المطلوب لتحقيق الآمال والأحلام، وليس كل المطلوب.. نعم، لقد تأثّرت البلاد وشَعبها بالحَرب، ولكن تأثّرت البلاد وشعبها بعوامل أُخرى أيضاً كانت – ولا تزال – بذات قَسوة الحرب..!!

:: ومع السَّلام، فالتجانُس مُهمٌ.. وحكاية – سردتها مرة – عسى ولعلّ تنفع شركاء المرحلة.. يُحكى أن الابن اشترى بنطالاً، ووجده طويلاً بزيادة (4 سم)، وطلب من والدته تقصيره، فاعتذرت.. طلب من أخته، فاعتذرت أيضاً.. فذهب إلى الخيّاط وقصّره.. ولاحقاً، حَنّ قلب الأم، بحيث ذهبت إلى غُرفة الابن، وأخرجت البنطال وقصّرته (4 سم).. ثم حَنّ قلب الأخت، لتُخرج البنطال وتُقصِّره (4 سم).. وفي الصباح، أراد الابن أن يرتدي بنطاله، وإذ به تحوّل إلى (برمودا)..!!

:: تأمّلوا ما حَدَثَ.. رغم جُهدهم وصدقهم وإخلاصهم، أفقدوا الابن بنطاله، إذ صار (برمودا).. لم يرفضوا إنجاز العمل، وليتهم ما أنجزوه.. ولكن لعدم وجود التنسيق بينهم – ولعدم التجانُس – أفسدوا العمل وأهدروا الجهد والزمن والمال في  تنفيذ مشروع فاشل.. وهكذا تقريباً مصير الدول التي تفتقد حكوماتها ومُؤسّساتها ومرافقها إلى المؤسسية.. فالحرص على تجانُس أجهزة الدولة لا تقل أهميةً عن الحرص على السَّلام..!!

:: ثم أنّ السِّياسات الاقتصادية المُختلة، كما الحروب، تهلك الشعوب وتُمزِّق الأوطان.. وللأسف سياسات هذه الحكومة مُختلة.. إذ هي كما لا تُشجِّع الشعب على الإنتاج والتصدير، فهي أيضاً لا تدع الشعب يأكل من خشاش الاستيراد، أي هي سياسات عاجزة عن الزراعة والصناعة والتجارة.. ولذلك بدأت ملامح الاستياء في الشوارع، بحيث لا يمضي يومٌ بلا احتجاج في مكان ما.. ويُخطئ أيِّ تقدير سياسي ينسب هذه الاحتجاجات للفلول، أو كما يتوهّم البعض..!!

:: فالشفافية هي المدخل لعلاج الأزمات، ويجب عدم التستُّر على أسباب الاستياء.. وعلى سبيل المثال، ما يحدث بولايتي البحر الأحمر وكسلا، ما هو إلا رد فعل شعبي لسِياسات حكومية خاطئة.. وكذلك الاحتجاج على سُوء الخدمات، والاستياء في صُفُوف الخُبز والوقود وغيرها، ما هو إلا رد فعل شعبي على أفعال الحكومة الخاطئة.. وعلى السُّلطات الحكومية عدم تغليف ملامح الغضب الشعبي بالوسواس القهري المُسمّى بالدولة العَميقة والفُلُول..!!

:: وما لم تنتبه الحكومة عاجلاً، فما يحدث حالياً أمام المخابز ومحطات الوقود، قد يتحوّل إلى ما لا يُحمد عقباه.. نعم، مَكمن الخُطُورة، ليست على الحكومة وحدها، بل على البلاد بأكملها، هي الثورة المُسمّاة بـ(ثورة الجياع)، وقد بدأت نواة هذه الثورة في النمو، فانتبهوا.. وكما تعلمون، فإن ثورة الجياع تختلف عن ثورة النُّخب الفكرية والسِّياسية البَاحثة عن الحقوق عبر آلية السُّلطة، بحيث هي ثورة (بلا فرامل) و(بلا كنترول)..!!

نقلاً عن (الصيحة)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.